مقامة: الانثيال؛ يا خُطوة خُطوة "للفينال"

لمّا أُشرِبت بلدتُنا حبّ المداورة، وآبَ الناس إلى حسن المحاورة، أجاؤُوني وسيطا محكّما بين شقّين ضديدين لدودين، ما تطارحا أمرا إلا صار إلى نصفين. فبدءا ناشدتُهم استراحة محارب، وهجرَ الفُرقة وكفّ المثالب، ثم عملت على رأب الشروخ، وكان رهاني على "الجلد المنفوخ"؛ إذ في عشق "الجمعية" قبول للمختلف، وفي "الفيراجات" عصبية تجلو السّدف. هي وحدة راية واجتماع غاية. فألفيت فيهم سمعا وطوعا، وطفنا البلدة نهتف معا:

- "يا موش نورمال.. يا موش نورمال.. يا وحدة وحدة للفينال"...

استطرد الخال: عشيا، تقدمت الجميع كبارا وذَراري، وتهادينا إلى سقيفة كبيرنا "عبدالله المعياري"، عازمين على هيكلة النادي؛ نتلمس السبيل ومصادرَ التمويل. فللرجل قول في كل مسألة، وهو مَرغبٌ لمن به مَعسَرة. طال الحديث وظل هو ضنينَ الكلام، يُبين على موقفه بالارتسام؛ إن رضيَ قبس، وإن كره قولا عبس، وما بين هذا وذاك يُطيل الكمون والخَنس...

فلما انتهى الجدل، وصمت الكل، رفع هو جبّته، ومدّ يده نحو "تكّته"، فخِفت أن يُفحش كعادته، ونحن قوم -على عللنا- يكنفنا الحياء، فكيف بنا ونحن خلطاء. بيد أنه سحب من بين ثيابه وُريقات صُفر، ونفشَ جناحَي الجُبّة كالصّقر، ثم جعجع:

- "أما وقد جئتم تستسقون "علم المعيار"، وحرَنت بغلتُكم عند باب المليم والدينار، فلا تحملوا همّ الاستثمار؛ لن يحتاج أبناؤكم شيئا، ولن يعدَموا في ظلي فيئا. فاسمعوا يا رهط الجزع والهلع؛ العقدُ بيننا شُرعة، ومُخالفتي فيه بدعة؛ أسيّر الفريقَ كما أرى وأحاسب، وأعيّن المدرّب والمرافق وكذا المُحاسب... موعدُنا آخرَ الموسم، فإما ترتيب أثيل، أو هجر جميل. فلا يخرُجَنّ أحدُكم الآن حتى يُمضي، فإذا قبلتم فسأَمضي، وإن أبَيتم فقِلّوا عنّي، وعودوا لزميمكمُ (الخال) يقُلْ لكم عنّي"…

ثم ختم بتميمته المشهورة (أيوَااااه...!!)، وتكوّر فأهدانا قفاه. فلم نجد بُدّا من تجرّع المُرّ، إذ مثله إلّم ينفع فلن يضُرّ.

قال عمار: ضحكتُ سرّا، وعلمتُ أنه يُحيك أمرا. حتى إذا انفضّ المجلس، استدارَ بخفّة فابتسم مكرا وأهلس، ثم بادرني:

- "اُقعُد (ها شنتي ها عمار) أُخبرْك عن الرّشاد؛ فإما مفازة تُصلح البلادَ والعباد، وإما تفكيك لمنظومة الفساد والإفساد."

ثم كلّفني بتشكيل هيئة للنّفرة، شرطَ ألا نتدخلَ إلا حين العسرة. ومنحني مُقابلا سخيّا لأتعابي، وكذلك أجزلَ العطاءَ لأصحابي.

وعلى هذا، انطلقَ الموسمُ الجديد، وظللتُ أراقبُ خَطوَه من بعيد. وطُفتُ معه بمراكز القرار تِطوافا، يشرّعُ جيبَه كما بسمتَه ويُقيمُ أحلافا؛ سامرنا أولي العقد ندّا بندّ، يُوميءُ لي بالرّقم فأنجزُ العَد. أموال غزيرة سفحناها، ومباريات صعبة ربحناها... بذلنا العطايا، وانكشفت أمامنا البلايا. رأينا ما يبعث عن التعاسة؛ حكّاما ولاعبين وأسواق نخاسة، كلّ يغنّي على ما يملأ "الكاسة". لا تسمع إلا كلمة "الظرف"، ظاهرُها التعذّر وباطنها الصّرف. ورأينا المباريات تُطبخ في قدور المكاتب، وعلى نار الرهان تُسلق المراتب، قبل أن تُمضغ الوجبة على الميادين. فيا لحال الجُمهور المسكين:

- "يا موش نورمال.. يا موش نورمال.. يا وحدة وحدة للفينال"

وحين انطلقت مرحلة الإيّاب، انقلبتِ الحالُ وانكشف الحجاب. فبعدما صعد فريقُنا في التّرتيب، وألفنا البهجة في اللقاءات وفي حصص التدريب. بادر كبيرُنا (المعياري) إلى بيع ما كان يبتاع، وذهب (الميركاتو) برأس مُهاجمَين وقلب الدّفاع. ثم ساوم المفزوعَ من نزول، والطامعَ في البطولة، ونشطت مصادرُ السيولة؛ الأهالي تدفع، وسماسرة ترتع وتخضع، وخزينة تبلع وتشبع... فكلما عزّ الطلب، رفّع صاحبُنا الثمنَ وأخذ بالسّبب. وطبعا، هوى فريقُنا إلى الذّيل، ولم نعُد نطأ دُورَنا إلا عند حلكة الليل. حتى إذا تأكد النّزول، لعنَ أهلونا الواصلَ والموصول. وصمتتِ المُدرّجات، ورُفعت دوننا اللاءات، فبصق الشيوخُ على ظلّنا تقريعا، و. وبتنا حديثَ المقاهي والمنصّات الرّقميّة تشنيعا:

- "يا المعياري يا بيّوع، هكّة تفرّط في المشروع"

حينئذ، خرج (أبو المعيار) على الناس؛ والتقينا جميعا عند بطحاء (الألتراس)؛ الوجوهُ واجمة، والقلوبُ ناقمة... فدخل علينا وقد برقت صلعتُه، وجلس موسعا لإليته، ثم حوقل وبسمل وقال :

- "يا أهلَ البلدة المِنوامة، يا قومَ الهزيمة والنّدامة، يا عديمي التبصّر والفهامة... خذوا مني فصلَ الخِطاب وأجّلوا العتاب... أتحسبون أني جريتُ خلف كأسٍ تُرفَع؟... (أيوَاااه !!)... ما جريتُ إلا خلفَ " كاسةٍ" تنفَع. كأسكُم بَريق يُنسى، و"كاستي" مشاريعُ تُبنى... ما اشتريتُ ذمةً في الذهاب، إلا لأبيعَها في الإيّاب. لعلمكم، عملتُ تحت عين القضاء، ونكثنا غزلَ الفساد ونقّينا الفضاء. وها زادَ المحصول وبلغنا المأمول؛ كشفتُ دائرة السّحت فقاضيتها، وفديتُ سريرتي فأرضيتها. ما دخلَ جيبي فلس من ريع المقابلات، إلا دفعتُ أمثاله في شراء الحياة. فاسمعوا الحساب، يا أولي الألباب... ذهِ أولى الاتفاقيّات؛ وحدة صحيّة مُتعدّدة الاختصاصات، وفي ذيلها سيارة إسعاف تخفّف عنكم المُعاناة. وهذا مشروع مدرسة تامّة التّجهيز، ومعها مكتبة للدّعم والتّعزيز. وهذا عقد للصّرف الصّحي، يشفطُ لوثتَكم، ويُخرس هوجتَكم."

قال الخال: فغرتُ فايَ مع مَن فغر، فما كُنتُ عليمًا منه إلا بقدر. ثمّ إنه تركنا واجمين نتدبّرُ صولتَه، وخبّ نحو مقهىً مُتداع ففكّ أمامنا غصرتَه. واستدارَ فجأة وزاد :

- "نسيتُ أن أخبرَكمُ المزيد، هذه الخِربة سيشملُها التشييد. ستكونُ لكم مجلسا ومقيلا، ولبعضكم مَشغلة ومُعيلا، أفضللتكم -بما أتيتُ- سبيلا !!؟"

ثم مضى في سبيله يضربُ بكفّيه، عاضّا على طرفِ ثوبه بشفتيه، ويهمهم :

- "يا موش نورمال.. يا موش نورمال.. يا وحدة وحدة للأجيال... (أيواااه)!!"

أما عن نفسي؛ فلا تسل عن (خالك)، فقد كدتُ أقطعُ أن الرّجلَ تتلمذَ على صاحب "أقوم المسالك"(1).


(1) - خير الدين التونسي : أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات