المهارشة.

تمرّ الصراعات بين البشر بحالات كثيرة، ويكون من نتائجها حالة الانتصار والهزيمة، أو حالة المأزق الذي يمنع الحياة من أن تستمر.

وفي الحالة الثانية، وهي مكلفة جدًّا بشريًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، وقد ينتج عنها عالم من التشرذم والتقسيم الأبدي، ينمو لدى المتصارعين حسٌّ بالخطر، فيذهبون إلى حلٍّ عبر الحوار والتفكير بالمصلحة الكلّية.

ولكن إذا كان أحد الأطراف غير قادر على تصوّر واقع غير الواقع الذي كان عليه، وحُمِلَ حملًا من جهات خارجية للدخول في حوار مع الطرف المدافع عن عالم جديد، فإن هذا الذي حُمِلَ على الحوار، متشبّثًا بالعالم القديم الذي يُبقي الطاغية ونظامه، يحوّل المحاورة إلى مهارشة، والحوار إلى هراش.

يقول المعجم العربي بأن المهارشة هي الصراع بين الكلاب، ومن أدواتها النباح والعضّ، والجرح بالأظافر، والمهارش من بني البشر هو ذاك الخالي من أداة المنطق والحسّ العقلي والعواطف المعشرية والقيم الإيجابية والغاية النبيلة والاعتراف بالواقع.

والمهارش، وقد أعيته الحيلة في دحض فكرة تقوم على الحق، يذهب لذمّ صاحب الفكرة ولا يقترب من الفكرة، ويبدأ بالنباح مكشّرًا عن أنيابه.

وليست المهارشة وقفًا على المنتمين إلى العفوش من الناس، بل إنك لتجدنّ مظاهر الأدب والتعبير عن الاختلاف لدى الإنسان الخبير بالحياة، وتربّى على قيم التعبير اللغوي المهذّب، حاضرة في الحياة أكثر من بعض الذين يعلّقون على صدورهم لوحة الدكتور.

فلا يحسبنّ أحد أن الألقاب الأكاديمية الزائفة والمناصب الوظيفية الرفيعة، بل وبعضُ من لهم فترات في السيرة الذاتية الحميدة، تمنع أصحابها من أن يهارشوا. وقد ثبت بالدليل العملي القاطع أن المستبدّ وسلطته، والتعصّب وأشكاله، والجهل وعنفه، أكاديميات متخصّصة بتخريج المهارشين من كلّ الأنواع.

المهارشة: داء معدٍ يصيب المثقّف فيقتله، والمثقّف ليس سوى ذاك الذي يتوسّل الشتيمة والعهر اللفظي طريقةً في التعبير عن الاختلاف، فيهارش دون أن يأخذ بعين الاعتبار موقف الآخرين منه، وهذا أمر طبيعي، فالآخر لا وجود له لدى المهارش.

وبعدُ: فإنّه لا يقوم حوار بين كائنات بلا عقل وبلا قيم إيجابية من جهة، وإنسانويين يرفعون من شأن العقل وقيم الإنسان الأساسية: قيم الحقّ والحرية والكرامة، من جهة ثانية.

لا يقوم حوار بين صاحب معجم مكوّن من ألفاظ القائد وسيد الوطن والإرهاب والخط الأحمر والممانعة من جهة، وصاحب معجم مليء بمفردات الحرية والعدالة والعيش المشترك والديمقراطية والمجتمع المدني والإنصاف ولقمة العيش والأمن والأمان، من جهة ثانية.

لا يقوم حوار بين مهارش أداته الكذب، ومحاور أداته الصدق. وكما لا يقوم حوار بين الحنجرة والسيف، لا يقوم حوار أيضًا بين المدافعين عن الحياة الكريمة، والشاهرين سلاح القتل والموت.

ولمن لا يعلم، فقد قالت العرب: السخافة تفاهة، بمعنى كلام فارغ، وكلّ ما يدلّ على قلّة ذكاء، وعلى نقص في الإدراك والتمييز، والمهارشة هي لغة السخيف، فإذا كان الأمر كذلك، وهو كذلك، فالاهتمام بأقوال السخفاء والردّ عليهم تواضع غير محمود.

فعلى من كان من أهل المحاورة والمناقشة، إن هارشه أحد المهارشين، أن يترفع عن الدخول معه في حوار.

بقي أن نقول: إن أي حلٍّ سياسي لمشكلة وطنية، أو لحرب أهلية، أو لمأزق سلطوي، أو للنجاة من الدمار الشامل، لا يمكن أن يكون ويتمّ بين طرفين أحدهما مهارش، والآخر محاور. فإذا لم يصل المهارش إلى درجة المحاور، فلا أمل إطلاقًا في الوصول إلى توافق؛ لأن الشرط الأول والأساسي للحوار هو الاعتراف بالآخر، والاعتراف بالعقل وسيلةً للحوار. أمّا بقاء المهارش في حقل النباح والعضّ، فهو كنقل الماء في الغربال.

من هارش فليس منّا.

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات