في قلب مدينة الكاف، وعلى ربوة تطل على أحيائها العتيقة، يتهاوى ضريح سيدي بومخلوف، أحد أبرز المعالم الروحية والمعمارية في شمال غرب تونس. صور نشرتها الممثلة نجوى زهير على موقع التواصل الاجتماعي فايسبوك كشفت تصدعات خطيرة في القبة والمبنى، مثيرة موجة من الغضب والأسى على منصات التواصل. لكن خلف هذه الصور، تتوارى قصة أعمق: قصة إهمال ممنهج، وغياب رؤية وطنية لحماية التراث المادي واللامادي.
من هو سيدي بومخلوف؟ ولمحة عن زاويته التاريخية
الولي الصالح عبد الله بومخلوف القزوني، يُعتقد أنه قدم من مدينة قسنطينة الجزائرية في القرن السابع عشر، واستقر بمدينة الكاف حيث ترك أثرا روحيا وثقافيا عميقا. يُنسب إليه إدخال الطريقة العيساوية إلى المنطقة، وهي طريقة صوفية تجمع بين الذكر الجماعي، الموسيقى الروحية، والطقوس الاحتفالية ذات الطابع الشعبي.
زاويته، التي شُيّدت في القرن الثامن عشر، تُعدّ من أبرز المعالم الدينية في شمال غرب تونس. تتميز بطراز معماري فريد يمزج بين التأثيرات الأندلسية والعثمانية، وتضم قبة بيضاء ومئذنة أنيقة تطل على المدينة. لم تكن الزاوية مجرد مكان للعبادة، بل كانت مركزا ثقافيا واجتماعيا، احتضن حلقات الذكر، دروس العلم، وموسيقى المالوف، كما شكّلت نقطة انطلاق لاحتفالية "خرجة بدر" الرمضانية، التي ما تزال تُحيى إلى اليوم رغم تراجع إشعاعها.
هذا المعلم، الذي ظلّ لعقود رمزا للهوية الروحية والمعمارية للجهة، بات اليوم مهددا بالسقوط، في ظل تصدعات خطيرة وتجاهل رسمي متواصل، ما يطرح أسئلة جوهرية حول مصير تراثنا المادي واللامادي.
تطور الإهمال: من التراجع الصامت إلى الخطر المعلن
بدأت مؤشرات الإهمال تلوح منذ سنة 2011، حين دخلت البلاد مرحلة انتقالية بعد الثورة، وتراجع دور الزوايا في الحياة العامة، بل وتعرض بعضها للتخريب. بين 2015 و2019، غابت تماما برامج الترميم المخصصة للزوايا، وتركّزت السياسات الثقافية على المواقع الأثرية الكبرى دون اعتبار للمعالم الروحية. في سنة 2020، ظهرت أولى علامات التصدع في زاوية سيدي بومخلوف، لكن دون أي تغطية إعلامية أو تحرك رسمي. وفي سبتمبر 2024، أذنت السلطات الجهوية بإجراء اختبارات فنية، إلا أن التدخلات الفعلية لم تُنفذ حتى منتصف 2025. ، أعادت صور نشرتها الممثلة نجوى زهير يوم 26 أوت فتح الملف إعلاميا وشعبيا، بعد أن كشفت حجم التصدعات وخطورة الوضع.
الزوايا الأخرى المهددة: ملف وطني منسي
ما يحدث في الكاف ليس حالة معزولة. الزوايا الدينية في تونس، التي كانت يوما مراكز إشعاع روحي وثقافي، تعاني اليوم من التهميش والتراجع. بعد الثورة، تعرضت العديد منها للحرق والتخريب من قبل جماعات متشددة، خاصة خلال فترة حكم الترويكا. من بين الزوايا المهددة أو المهملة:
- زاوية سيدي إبراهيم الرياحي في الحفصية، التي رغم صمودها، تشهد تراجعا في الإقبال، خاصة من الشباب.
- زاوية السيدة المنوبية، التي تعاني من ضعف التثمين رغم رمزيتها النسوية والدينية .
- زاوية سيدي محرز، التي تفتقر إلى الصيانة رغم موقعها المركزي في العاصمة .
- زاوية سيدي بوسعيد الباجي، التي تحوّلت إلى مزار سياحي دون حماية هندسية كافية.
هذه الزوايا، وغيرها المنتشرة في المدن الداخلية، تمثل ذاكرة جماعية وروحا تونسية أصيلة، لكنها تُترك فريسة للزمن، وسط غياب استراتيجية وطنية واضحة لحمايتها وتثمينها.
هل من حلول؟
خبراء التراث يقترحون مقاربة تشاركية، تُشرك المجتمع المدني، وتُعيد إحياء المعالم عبر أنشطة ثقافية مستدامة. كما يدعون إلى تصنيف الزوايا والمقامات ضمن التراث الوطني المحمي، وتخصيص ميزانية سنوية للترميم الوقائي، مع إشراك الحرفيين المحليين في عمليات الترميم التقليدي. سيدي بومخلوف ليس مجرد مبنى يتصدّع، بل هو مرآة لسياسات ثقافية متصدّعة. إنقاذه لا يتطلب فقط ترميما هندسيا، بل مراجعة جذرية لعلاقة الدولة والمجتمع بذاكرتهم الجماعية. والزوايا الأخرى، من العاصمة إلى الجهات، تستحق أن تُسمع صرختها قبل أن تُمحى من الذاكرة.