من المدارس التي تعاني نقص المدرسين إلى الشوارع المشتعلة بالمواجهات، تكشف الاحتجاجات الطلابية في فرنسا أزمة أعمق من مجرد اضطراب أمني: دولة تضيق مواردها عن ضمان الحق في التعليم، وتتسع قدرتها على تطويق الغضب الاجتماعي.
من المدرسة إلى الشارع
لم تنفجر احتجاجات تلاميذ المدارس الثانوية في فرنسا من فراغ، ولم تكن المواجهات التي شهدتها باريس ومدن أخرى سوى الوجه الأكثر وضوحا لأزمة تراكمت داخل المؤسسات التعليمية، حيث يتقاطع نقص المدرسين وتدهور البنية التحتية والاكتظاظ وضغط الدراسة مع تراجع الإنفاق العام وارتفاع تكاليف المعيشة.
وبحسب المعطيات الواردة في التقارير المنشورة، بدأت التحركات من مدارس في ضواحي باريس الشعبية قبل أن تتسع رقعتها وتستقطب طلاب الجامعات ونقابات التعليم، وسط مؤشرات على التحامها بمطالب اجتماعية أوسع تتصل بالأجور والخدمات العامة والسياسات الاقتصادية. ومع انضمام حركة «السترات الصفراء» إلى بعض التحركات، لم يعد المشهد محصورا في خلاف بين التلاميذ ووزارة التربية، بل بات تعبيرا عن غضب اجتماعي يبحث عن منفذ في الشارع.
وتتمحور المطالب الطلابية حول توفير المدرسين وتحسين ظروف التعلم ومعالجة التفاوت بين المؤسسات التعليمية ورفض تحميل الأسر أعباء إضافية في ظل تراجع قدرتها الشرائية. وهي مطالب تمس حقا أساسيا من حقوق الإنسان، لا امتيازا تمنحه السلطة حين تسمح به الميزانية وتسحبه حين تضيق حساباتها.
التقشف في مواجهة الحقوق
تتزامن هذه الاحتجاجات مع أزمة مالية وسياسية تضغط على الحكومة الفرنسية، في ظل ارتفاع الدين العام والعجز وصعوبة تمرير الميزانية في برلمان منقسم. وتقترح الخطط الحكومية تقليص النفقات وإجراء تغييرات تمس قطاعات عامة، بينها التعليم، بينما يتواصل التوجه نحو تعزيز الإنفاق العسكري والأمني.
وهنا تكمن المفارقة التي تستحق انتباه التونسيين: حين تتذرع الدولة بندرة الموارد لتبرير تراجع الخدمات، يصبح السؤال الحقوقي متعلقا ليس فقط بحجم الأموال المتاحة، بل أيضا بأولويات توزيعها والفئات التي تتحمل كلفة الأزمة وتلك التي تحظى بالحماية من تبعاتها.
فالتعليم العمومي ليس بندا ماليا يمكن تقليصه دون عواقب اجتماعية، بل ضمانة لتكافؤ الفرص، خصوصا بالنسبة إلى أبناء الأسر محدودة الدخل. وحين تتراجع المدرسة العمومية، لا يتضرر الجميع بالقدر نفسه، إذ تستطيع الأسر الميسورة اللجوء إلى التعليم الخاص والدروس الإضافية، بينما يجد أبناء الأحياء الشعبية أنفسهم أمام خيارات أضيق ومستقبل أكثر هشاشة.
لذلك، لا يمكن فصل الغضب الطلابي عن السياسات التي أنتجت أسبابه. فالاحتجاج في هذه الحالة ليس بداية الأزمة، بل أحد أعراضها. والسلطة التي تقلص الخدمات وتتجاهل المطالب ثم تتعامل مع الغاضبين باعتبارهم مشكلة أمنية تتحمل مسؤولية سياسية عن اتساع الهوة بينها وبين المجتمع.
القاصرون تحت وطأة القوة
لكن أخطر ما تكشفه التطورات هو انتقال المواجهة من الخلاف حول التعليم إلى أسئلة تتعلق بحقوق المحتجين، ولا سيما القاصرين. فقد شهدت مدن فرنسية مواجهات استخدمت خلالها الشرطة الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه، فيما سُجلت أعمال تخريب واعتداءات طالت ممتلكات عامة وخاصة، إلى جانب إصابات واعتقالات واسعة، وفق الأرقام التي أوردتها التقارير.
ولا يستقيم حقوقيا تجاهل أي من جانبي المشهد. فتخريب الممتلكات والاعتداء على الأشخاص لا يصبحان مشروعين لمجرد وقوعهما خلال احتجاج اجتماعي، لكنهما لا يمنحان السلطات تفويضا مفتوحا باستخدام القوة، ولا يبرران معاقبة المحتجين جماعيا أو التعامل مع التظاهر باعتباره قرينة على الإجرام.
والأهم أن التعامل مع القاصرين يفرض ضمانات أشد تضع سلامتهم وحقوقهم في مقدمة الاعتبارات. وقد أثارت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، وفق ما نقلته التقارير، مخاوف بشأن استخدام القوة ضد التلاميذ، ودعت إلى التحقيق في التجاوزات ومحاسبة المسؤولين عنها. وهي مطالب تجعل المساءلة واجبا قانونيا، لا تنازلا سياسيا تقدمه الحكومة تحت ضغط الشارع.
إن حماية النظام العام لا تعني حماية السلطة من النقد، كما أن وقوع أعمال عنف خلال بعض التحركات لا يلغي حق بقية المشاركين في الاحتجاج السلمي. والفصل بين المسؤولية الفردية والعقاب الجماعي شرط أساسي لأي استجابة أمنية تحترم دولة القانون.
شيطنة الاحتجاج بدل معالجة أسبابه
سياسيا، سارعت الحكومة وأطراف معارضة إلى اتهام حزب «فرنسا الأبية» اليساري باستغلال التحركات أو تأجيجها، في حين نفت أطراف معارضة مسؤوليتها عن صناعة الغضب الطلابي. وقد تكون الأحزاب حاضرة في الحراك، وتسعى إلى توسيعه أو توظيفه انتخابيا، لكن ذلك لا يفسر وحده لماذا خرج التلاميذ إلى الشوارع، ولا يلغي المطالب التي سبقت التدخلات السياسية.
كما أن اختزال الاحتجاجات في الهجرة أو الإسلام أو هوية سكان الضواحي ينقل النقاش من أسباب الأزمة إلى استهداف فئات اجتماعية بعينها. وبدل مساءلة السياسات التعليمية والاقتصادية، يصبح أبناء الأحياء الشعبية والمهاجرون كبش فداء لأزمة لم يصنعوها وحدهم، بينما تتراجع الأسئلة المتعلقة بالإنفاق العام والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص إلى الهامش.
وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في ظل تصاعد الخطاب اليميني المعادي للهجرة ومحاولات تحويل النزاعات الاجتماعية إلى صراعات ثقافية. فحين يُصوَّر التلميذ المحتج بوصفه تهديدا للهوية الوطنية، يصبح من الأسهل تبرير القمع، فيما يصعب على المجتمع رؤية المطالب الفعلية الكامنة وراء الغضب.
أزمة فرنسا أبعد من مدارسها
لا تعني هذه الانتفاضة بالضرورة أن فرنسا تقف على أعتاب ثورة جديدة، ولا تسمح المعطيات المتاحة بالجزم بمآلاتها. لكنها تكشف أزمة ثقة بين قطاعات من الشباب ومؤسسات الدولة، وتطرح سؤالا يتجاوز حدود فرنسا: ماذا يحدث حين تفقد الفئات المتضررة ثقتها بقدرة المؤسسات على الاستجابة لمطالبها؟
بالنسبة إلى التونسيين، تبدو الصورة مألوفة في جوهرها، حتى إن اختلفت الظروف الاقتصادية والسياسية. فالتفاوت بين الجهات والأحياء وتراجع الخدمات العامة وضيق الفرص أمام الشباب كلها قضايا تجعل الاحتجاج وسيلة للمطالبة بالحقوق حين تتعثر قنوات الإنصات والمساءلة.
والدرس الأهم أن استعادة الهدوء لا تتحقق بمجرد تفريق المتظاهرين أو تكثيف الاعتقالات. فقد يخفت الغضب في الشارع مؤقتا، لكن أسبابه تبقى قائمة ما لم تتغير السياسات التي غذته. وبين مدرسة تعجز عن توفير مدرس لكل تلميذ وسلطة تجد نفسها مضطرة إلى نشر قوات الأمن لمواجهة احتجاجات طلابية، تتجلى مفارقة الدولة التي تتراجع قدرتها على الوفاء بالتزاماتها الاجتماعية، فيما تتسع المواجهة بينها وبين مواطنيها.
فالاحتجاج لا يولد من العدم، والقمع ليس علاجا لأسبابه. وحين يخرج التلاميذ للمطالبة بتعليم أفضل ومستقبل أكثر عدلا، فإن السؤال الأول الذي ينبغي أن تطرحه السلطة ليس كيف تُسكت الشارع، بل لماذا وصل أبناؤها إلى الشارع أصلا.