الكَلْبَنَة… وباءٌ مَحَا ملامحَ الإنسان

"أطفئ الشاشة أخيرا، لكن المشاهد لا تنطفئ في رأسي. أفكر في ذلك الطاعون الذي ضرب البلدة، وفي السكان الذين تحولوا إلى كائنات لا تعرف سوى الهجوم والفرار. ثم أجدني أتساءل إن كانت أفلام الرعب تستمد بعض قوتها من قدرتها على لمس مخاوف نعرفها في حياتنا، حتى حين تتخذ هذه المخاوف أشكالا خيالية لا يمكن أن تحدث في الواقع."

رجل برأس كلب ينبح بصوت أجش، ينقض بين الحين والآخر محاولا نهش لحم البشر. يتراجع الناس في فزع. من بعيد تظهر شخوص أخرى، رجال ونساء برؤوس كلاب وأجساد آدمية، يتدافعون في الشارع، فيما يحاول آخرون الفرار من هجمات مفاجئة. سرعان ما يتحول الشارع إلى ساحة حرب تعمها الفوضى، تتداخل فيها أصوات النباح والصراخ، فلا أحد يعرف من يهاجم ومن يحاول النجاة ولا من سيكون الضحية التالية.

لا أتذكر من نصحني بمشاهدة هذا الفيلم المقزز الذي بث في داخلي الرعب منذ مشاهده الأولى. أحاول مد يدي إلى جهاز التحكم الموضوع على الأريكة البعيدة، فلا أدركه. أهم بإطفاء التلفاز، مغتاظا من مخرج هذا الفيلم الذي بدا لي أنه بالغ في تصوير الوحشية إلى حد النفور.

ثم يتملكني العجز عن صرف نظري عن الشاشة، اتسمر في مكاني، تطوقني الأسئلة من كل صوب: ما المغزى من إنتاج فيلم يصور الإنسان الذي كرمه الله وأحسن خلقه، على أنه كلب؟ أي فكرة جرات في رأس المخرج وأراد إيصالها من وراء هذه المشاهد الغريبة؟

غلبني الفضول، فلم أحيد بنظري عن الشاشة، مأخوذا بما يجري أمامي، رغم انقباض صدري و القشعريرة التي تسري في جسدي.

أحداث الفيلم، تدور في بلدة بعيدة ضربها طاعون غامض. لا أحد يعرف من أين جاء، ولا كيف تسلل إلى السكان. كل ما يتناقله الناس أن وباء غريبا أصابهم بمسّ أفقدهم عقولهم، وأخذ يحولهم تدريجيا إلى كائنات تشبه الكلاب. بشر برؤوس كلاب، يتحدثون بالنباح ويتحركون بغرائز لا يبدو أنها تترك للعقل مكانا.

لم يعد الأمر مجرد مرض يصيب الأجساد، بل تحولا مرعبا يبدل ملامح الإنسان وسلوكه، حتى يغدو من الصعب أن ترى في تلك الوجوه شيئا مما ألفناه في وجوه البشر.

في البداية، لم يدرك سكان البلدة حقيقة ما يحدث. كان كل شيء يبدو عاديا، إلى أن ظهرت الحالات الأولى. أشخاص تغيرت تصرفاتهم فجأة، أخذوا يصرخون وينبحون، ثم يهاجمون كل من يقترب منهم. حاول بعض الأهالي إبعادهم عن الطرقات، فيما فر آخرون من أمامهم، معتقدين أن الأمر لا يعدو نوبات جنون عابرة. لكن الحالات راحت تتكاثر، والخوف بدأ ينتشر من بيت إلى آخر، حتى لم يعد أحد يعرف من أصيب بالطاعون ومن لا يزال بمنأى عنه.

ثم خرج الأمر عن السيطرة. لم تعد الإصابات محصورة في عدد قليل من السكان، ولم تعد الشوارع آمنة كما كانت. صار المرء يخشى أن يفتح بابه لجاره، أو أن يقترب من شخص يعرفه منذ سنوات. فالذي كان بالأمس صديقا أو قريبا قد ينقلب في لحظة إلى كائن يهاجمه بلا تردد. ومع انتشار العدوى، أخذت مظاهر الوحشية تتسع، وتحولت العلاقات بين الناس إلى سلسلة من الشكوك والمطاردات والاعتداءات.

أراقب المشاهد، فأرى البلدة تتغير أمام عيني. المحال تغلق أبوابها، والطرقات التي كانت تعج بالمارة تصبح مسرحا للمطاردة والفوضى. بعض السكان يحاولون الاختباء داخل بيوتهم، يغلقون النوافذ والأبواب، ويتحسسون أصوات الحركة في الخارج. وآخرون يفرون من البلدة، لا يحملون معهم سوى ما يستطيعون انتزاعه على عجل، أملا في الوصول إلى مكان لم يبلغه الطاعون بعد. لكن الخوف يسبقهم إلى كل مكان، ولا أحد يملك ضمانة بأن النجاة ممكنة.

في خضم هذه الفوضى، لا يبدو أن أحدا يعرف كيف يوقف ما يحدث. لا علاج واضحا للطاعون، ولا تفسير مقنعا للتحول الذي أصاب السكان. كل ما يراه الناس أمامهم هو عالم ينهار بسرعة، ووجوه مألوفة لم تعد تحمل الملامح التي يعرفونها. يتفحص بعضهم وجوه أقاربهم في خوف، كأنهم ينتظرون ظهور علامة تنذر بأن الدور سيأتي عليهم أيضا. لم يعد المرض يهدد حياتهم فحسب، بل صار يهدد ذكرياتهم وعلاقاتهم، وكل ما يجعل البلدة مجتمعا يعيش فيه الناس معا.

ومع تقدم الأحداث، يزداد المشهد غرابة. لم تعد المسألة مجرد أشخاص تحولوا إلى كائنات برؤوس كلاب، بل بلدة كاملة تتآكل فيها القواعد التي كانت تنظم حياة أهلها. لم يعد أحد يأمن لأحد، ولم تعد النجاة مرتبطة بالحذر وحده. الشوارع التي كانت تجمع الناس أصبحت تفصل بينهم، والبيوت التي كانت توفر لهم الأمان تحولت إلى حصون صغيرة يحتمي خلفها كل فرد من الآخرين. كأن الطاعون لم يكتف بتغيير أجساد السكان، بل أصاب الحياة المشتركة نفسها، وانتزع منها الثقة التي لا يستطيع أي مجتمع الاستغناء عنها.

أواصل المشاهدة، وأحاول أن أفهم كيف وصلت هذه البلدة إلى ذلك المصير. ما الذي حدث لهؤلاء الناس؟ وكيف انقلبت حياتهم في ظل هذا الطاعون الذي يفتك بأجسادهم ويغير سلوكهم؟ كلما تقدمت الأحداث، ازداد المشهد غرابة، لكنني بدأت أرى في الحكاية ما هو أبعد من مجرد فيلم رعب. فخلف الرؤوس الكلبية والنباح والمطاردات، تبرز صورة مجتمع فقد قدرته على حماية أفراده، وأصبح كل إنسان فيه مهددا من الإنسان الآخر.

أتساءل إن كان المخرج يريد أن يقول شيئا عن الإنسان حين يفقد ما يجعله إنسانا، وعن المجتمعات حين تنهار فيها القواعد التي تحفظ للناس حقوقهم وكرامتهم. ما الذي يبقى من المجتمع إذا صار الخوف هو اللغة المشتركة بين أفراده؟ وماذا يحدث حين تتحول الرغبة في النجاة إلى مبرر للاعتداء على الآخرين، وحين لا يعود المرء يرى في جاره سوى تهديد محتمل؟

أطفئ الشاشة أخيرا، لكن المشاهد لا تنطفئ في رأسي. أفكر في ذلك الطاعون الذي ضرب البلدة، وفي السكان الذين تحولوا إلى كائنات لا تعرف سوى الهجوم والفرار. ثم أجدني أتساءل إن كانت أفلام الرعب تستمد بعض قوتها من قدرتها على لمس مخاوف نعرفها في حياتنا، حتى حين تتخذ هذه المخاوف أشكالا خيالية لا يمكن أن تحدث في الواقع.

ربما لهذا السبب لم أستطع إبعاد عيني عن الشاشة. لم يكن الرعب في الرؤوس الكلبية وحدها، ولا في النباح الذي ملأ الشوارع، بل في فكرة أن يفقد الإنسان إنسانيته، وأن تتحول البلدة التي تجمع الناس إلى مكان يخشى فيه كل فرد الآخر. حين يصبح الخوف أساس العلاقات ويتحول الأمان إلى امتياز لا يناله الجميع، فإن الخراب لا يعود مقتصرا على البيوت والطرقات، بل يمتد إلى ما هو أعمق: إلى الثقة والكرامة ومعنى أن يعيش البشر معا.

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات