قضاء الجمهورية الجديدة: الوظيفة الهشة..

الآن وقد مضتْ سنةٌ ونصف على اعتماد تونس دستورا جديدا أُعيد فيه تعريف القضاء وفق مشيئة كاتبه، وبعد أن تركزت آليات إدارة الحكم الجديد للقضاء، قد يكون من المناسب طرح سؤال قديم جديد: “أيّ قضاءٍ يريد نظام الحكم في تونس؟”. وللإجابة على هذا السؤال، سننطلق من المنجز من أجل استكشاف ملامح التصور الوظيفي لأداء المرحلة.

هيكلة القضاء: صمت يقرأ

مما ميّز دستور 2014 فيما تعلق بالقضاء، أنه خصّ في باب السلطة القضائية كل واحد من الأقضية الثلاثة بفصل تعرّض فيه لتصور بنائه الهيكلي والوظيفي في ظله. وفي إطاره، كان التصوّر الإصلاحي للقضاء المالي والذي تطوّر من دائرة المحاسبات إلى محكمة محاسبات مع ما رافق ذلك من تعزيز صلاحياتها القضائية واستقلاليتها. كما وضع النصّ الدستوريّ مخططا لتطوير المحكمة الإدارية لتصبح قضاء ذا بناء هيكلي يُسمح له بنظر مختلف النزاعات التي تدخل في كتلة اختصاصه وسنّ أنظمة أساسية للقضاة والقضاء بما يتلاءم مع قيمة القضاء السلطة المستقلة. وفيما يمثل قطيعة كاملة مع هذه الروحية نلاحظ أن دستور 2022، اكتفى في الفصل 119 منه بتعداد الأقضية الثلاثة من دون أن يتعرض لوظائف أي منها أو هيكلتها. ويؤشر ذلك إلى تجنّب أي تعهّد إصلاحي بما يشي بنزعة محافظة نجد أثرها واضحا في الممارسة سواء فيما تعلق بمحكمة المحاسبات أو المحكمة الإدارية.

محكمة المحاسبات: تجاهل بعد حظوة…

خلال مرحلة الانتقال الديموقراطي، كانت محكمة المحاسبات منفتحة على الرأي العامّ تنشر تقاريرها السّنوية وتقارير مهمّاتها الرقابية الخاصة ويتابع الإعلام نشاطها القضائي من خلال مؤسسة الناطق الرسمي باسمها. وقد استحالت هذه التقارير بفعل سياستها الاتصالية سندا أساسيا في مكافحة الفساد ورسم سيّاسات التصدي له. صحيح لم يتمّ المسّ بتشريعاتها في ظلّ الحكم الجديد مما يفرض نظريا أن تكون مخولة مواصلة ذات الأداء، إلا أن التغيير حصل بفعل طول أمد شغور منصب رئيسها الأول منذ بداية سنة 2023 وتاليا بفعل إعراض رئيس الجمهورية عن تعيين من يشغله رغم تقديم ترشّحات له عدة في الغرض. يضاف إلى هذا الشغور، تأخير في نشر تقريرها السنوي عدد 33 رغم اعتماد جلستها العامة له بسبب عدم تحديد الرئيس موعدا لتسلمه ممن يمثلها، وهو عامل آخر أسهم دون ريب في تراجع حضور المحكمة في الفضاء العام، وهو تراجع لم يتأتَ على ما يبدو من فراغ بل من خيارات النظام الجديد.

المحكمة الإدارية: طي صفحة الحلم

يكشف تتبّع النقاش العامّ داخل المحكمة الإدارية، أنّ الاهتمام بمشروع “مجلة القضاء الإداري” غاب تمامًا أو كاد بعد اعتماد دستور 2022. ويفسر هذا بكون ذاك المشروع الذي تعهّدت المحكمة على مستوى رئاستها بصياغة نسخته الفنية، كان يستند في أحكامه للتصور الإصلاحي للقضاء الإداري الذي تضمنه دستور 2014.

على مستوى ثان، كان امتناع عديد المسؤولين الإداريين عن تنفيذ الأحكام والقرارات القضائية بعلل مختلفة مما يواجه برفض وإدانة في وسط القضاء الإداري مع السعي إلى إيجاد إطار تشريعي يردعه. ونُقدّر أن ما تمّ منذ منتصف سنة 2022 إلى الآن من رفض تنفيذ قرارات إيقاف تنفيذ صدرت لفائدة القضاة المعفيين ومنهم قاضيتين من المحكمة الإدارية ذاتها إنما يجرّد هذه المحكمة من السّلطة الأخلاقية التي تتيح لها اتّخاذ مثل تلك المواقف مستقبلا خصوصا وأن أيا من مؤسساتها أو رئاستها أو مجلسها لم يحاول فرض قيمة تطبيق القانون داخل رحابها[1]، وإن كان يتعين التنبّه لكون ما يبرز من تسليم منهم بالأمر الواقع يبرر بتراجع ضمانات الاستقلالية.

من ضمانات الاستقلالية إلى آليات الإشراف: التحول

خصّ الفصل 119 من دستور 2022، كلا من الأقضية الثلاثة بمجلس قضاء “يُشرف” عليه. وهو بذلك قطع مع توجّه دستور 2014 الذي استحدث مجلسا أعلى للقضاء موحدا بين مختلف الأقضية حَمَّله مسؤولية السهر على “حسن سير القضاء واحترام استقلاله”. كما خالف دستور الجمهورية الأولى والذي أسند لمجلسه دور السهر على تحقيق الضمانات اللاّزمة للقضاة من حيث التعيين والترقية والنقلة والتأديب. ولئن لم يتمّ بعد إرساء المجالس القضائية وفق الدستور، فإن تجربة المجلس المؤقت للقضاء المنشأ من السلطة نفسها وما تمخّض عنها قد تساعدنا في رسم ملامح ما ستكون عليه هذه المجالس.

الرسم التشريعي لملامح “المجلس المشرف”

صلب المرسوم عدد 11 لسنة 2022 كما تم تنقيحه بموجب المرسوم عدد 34 لذات السنة، يتلازم الإقرار بإشراف المجلس المؤقت على إدارة المسار المهني للقضاة مع تحديد لها تمثل في مظهرين اثنين: (1) حق رئيس الجمهورية في الحلول محله في اتخاذ القرار و(2) القضم لجانب من صلاحيات الإشراف لتناط بوزارة الإشراف. وهما مظهران هامّان يرجّح أن يعمّما في صياغة تصور مؤسسات القضاء الجديد.

للمجلس الاقتراح وللرئيس القرار

بتاريخ 07-02-2022، نَصَّبَ الرئيس قيس سعيد المجلس المؤقت للقضاء معتبرا قيامه بذلك حدثا تاريخيا “بكل المقاييس لكونه يحقّق الاستقلال الفعليّ للقضاء”. سنتين بعد ذلك، كشف مجلس القضاء العدلي عن أزمة التجربة بعد أن أدى تقاعد اثنين من أعضائه وسحب الخطة الموجبة للعضوية لاثنين آخرين لتعطل قدرته على الانعقاد. وقد تفاقم هذا التعطل باستقالة إحدى عضواته الثلاث من القضاة المتقاعدين [2].

وفي سياق البحث عن كيفيّة إعادة تفعيل المجلس، يبيّن الفصل 08 من المرسوم المُحدث للمجلس أنّ سدّ الشغورات فيه يتم بالنسبة إلى الأعضاء من القضاة المتقاعدين من خلال فتح باب الترشّحات لها من وزارة العدل، في حين يتعين على المجلس نفسه تقديم الترشيحات بالنسبة إلى القضاة المعينين بالصفة (الساميين) بمعدل 6 مرشحين عن كل منصب وذلك في أجل أقصاه 21 يوما من تاريخ معاينته لشغوره. وأسند للرئيس متى لم تصله الترشيحات ضمن الأجل صلاحية كاملة وغير مقيدة في تعيين من يراه. كما نتبين أن الفصل 19 من ذات المرسوم وفيما تعلّق بتعيين القضاة السامين ومنهم طبعا أعضاء المجلس المعينين بالصفة أسند للرئيس ذات الصلاحية ودون تحديد هذه المرة لآجال في حال تعمدت جهة الترشيح أي المجلس الامتناع “عن التعيين أو عدم الاستبدال أو السكوت التعيين في هذه الخطط القضائية السامية ممن تتوفر فيهم الشروط للخطة المعنية.”

وعليه، يستفاد أن الشغور الكامل في أعضاء المجلس المعينين بالصفة سيؤدي لانفراد الرئيس بتعيين من يخلفهم.

سلطة حلول الرئيس محل المجلس فيما يفترض أنها صلاحيته تحضر أيضا في إعفاءات القضاة والتي يمكن له أن يطلبها الرئيس من المجلس وفي صورة امتناع هذا الأخير أن يبادر لاتخاذ قرار بشأنها من دون التوقف على رأي المجلس. بل يمكن الرئيس أن يبادر لتسليطها من دون المرور بالمجلس أصلا متى قدّر ضرورة ذلك. كما تحضر ذات السلطة بشكل فيه احتشام في افتكاك القرار في ممارسة الرئيس لحقّ الاعتراض الملزم على كل مقترح يتقدّم له به المجلس لنقلة أو ترقية قاضٍ.

ويستخلص من هذا أن ما تم تصوره في الدستور من إشراف مجلس القضاء على القضاة في مسارهم المهني سبق وكرّسته تشريعات ما بعد 25 جويلية وكشفت أنه يتم في إطار صلاحيات محدودة تتم ممارستها تحت رقابة كاملة من رئاسة الجمهورية التي تبقى صاحبة السلطة الفعلية.

الإدارة المباشرة للقضاء: خيار وممارسة

بتاريخ 29-04-2023، استندت وزيرة العدل إلى الفصل 14 من القانون عدد 29 لسنة 1967 لتصدر عشر مذكرات عمل سدّت بموجبها جانبا من الشغورات التي نتجت عن الإعفاءات وتعلقت بمناصب عليا على علاقة مباشرة بمنظومة العدالة الجزائيّة. بعد ذلك، وانطلاقا من النصف الثاني من شهر جويلية، استعملتْ الوزيرة الفصل 54 من ذات القانون لتحجر العمل على عدد من القضاة المباشرين تجاوز السبعة.

وقد كان الرأي السائد وسط القضاء والمؤيد بفقه قضاء إداري في المجال قبل ذلك يتجه للقول بأن مذكرات العمل أو صلاحيات وزير العدل الواردة في القانون عدد 29 والمتعلّقة بتأديب القضاة ونقلتهم وترقيتهم نُسخت بموجب القانون الأساسي المتعلق بإحداث هيئة وقتية للإشراف على القضاء العدلي في 2013. فقد أسند هذا القانون للهيئة التي استحدثها صلاحية “النظر في المسار المهني للقضاة من تسمية وترقية ونقلة وتأديب”. وقد تأكّد القطع معها بدستور 2014 الذي فرض أن تكون المجالس القضائية هي التي تبتّ في المسارات المهنية للقضاة وفي القانون الأساسي المُحدث للمجلس الأعلى للقضاء (2016).

وفيما كان يعتقد أن دستور 2022 لم يسند لوزيرة العدل أيّ دور في إدارة المسار المهني للقضاة، فرض إصدار المذكرات واقعا جديدا غيّر فعليّا في تصور وظيفة أضحت تعرف بهشاشتها ولا تضمن لمن يشتغل فيها الحدّ الأدنى من حقوق الموظف العمومي. وقد يكون السبب الواقعي لحديث “عندي صغار نربي فيهم” الذي نرفضه جميعا لكن قلّة منا فقط تعلم أن علاجه لا يكون إلا بمعالجة أسبابه ومنها العصف بضمانات استقلالية القضاء والاستثمار في صناعة قضاء السلطة.


الهوامش

[1] خلافا للمجلس المؤقت للقضاء العدلي الذي حاول إيجاد وسائل ضغط لتنفيذ قرارات إيقاف التنفيذ ومنها الإقرار باستعادة المعفيين لحصانتهم القضائية وتضمينه في أول مشروع للحركة القضائية لسنة 2022-2023 إعادة إدماج المعفيين .

[2] لتعميق البحث حول تفكك المجلس المؤقت للقضاء العدلي يرجى الاطلاع على مقال تفكّك المجلس المؤقت للقضاء العدلي (1): صناعة الفراغ – المفكرة القانونية –

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات