ذاكرة النكبة

صارت لنا نحن أيضا نكبتنا التي تؤرخ بأيام 26-27-28 أوت 2026، فلم نرث عن أجدادنا حدثا جللا كهذا فنقارن به، وقد كنت صغيرا سنة 1982 في حريق ظننته مهولا كما رأيت اليوم، لكن عمي اسماعيل الرجل الطيب وصديق أبي رحمه الله صحح لي: "لا لا يا حسين، هذا عمرو ما صرات حاجة كيفو".

كنا نعرف كلمات اللجوء، والنزوح، ومراكز تجميع المساعدات، في الأخبار، نظنها قضايا بعيدة عنا، ونعرف الكوارث كأنها لا تعنينا، ونعرف النار التي تحرق الشجر، وليس التي تحرق البشر وتحيلهم إلى صور لا يمكن أن تندمل من ذاكرة جرحت اليوم في عمقها.


…

جيجل التي نعرفها انتهت، كنت أنظر اليوم للأمكنة كأنها خلق آخر، حتى هذه النار كأنها ليست النار، لقد تخيلتها تكرهنا وتمعن في إيذائنا، لأنها لا تحرق الشجر فقط، بل تحيل كل شيء إلى لاشيء، إنها بتعبير الناس عندنا: "تمسح الأماكن"، وتنفذ إلى أعماق الجذور كأنها تقول لشجرة الزيتون: لن تطلعي من جديد!!!


…

لا أملك قدرة لأروي القصص التي سمعتها، إنها قصص من عوالم الخيال الذي كنا نظنه لن يطرق بابنا، ولأنها ترتبط بعوالم أعرفها بل أعشقها، فهي تعني لي الشيء الكثير، ففرق بين أن تسمع عن مأساة في مكان لا تعرفه، وبين أن تسمعها عن مكان تعرف طريقه، ومسجده، ومساكن أهله المتواضعة، وثماره وأشجاره، وكنت تكتب عن جماله وتبحث عن معاني أسمائه، وتنقب في تاريخ المكان وتجمع ملفاته وأنت تحلم أن تخرج عنه عملا، ثم تجده قاعا صفصفا لا يجد الريح أين يصطدم فيه بغصن شجرة!! فيصبح عنوانا للموت والمأساة والضياع.


…

كانت هناك مشاتي وقرى تنبض بالحياة، وأخرى تقاوم الهجرة والفراغ، فتسترجع أهلها لزراعة معاشية، أو لشجرة مثمرة، ولزيتونة مباركة، أو لبقرة حلوب، وفجأة كأن الأرض تلفظ كل شيء، وتحيله إلى رماد؟ فإلى أين يعود الناس؟ وماذا تأكل البقرة التي نجت، وهل سيسكن النحل من جديد بعد أن أحرقت كل صناديقه، بل هل يمكن لأهله أن يعودوا لمكان يختزن كل هذه الآلام!!


…

يحب أهل جيجل مناطقهم الجبلية، ويتمسكون بها رغم فقرها، وكل صيف نكتشف أننا موجودون في كل مكان، وفي كل موقع، وفي كل مهنة، نضرب في الأرض نبحث عن رزقنا، ونعود لقرانا وأهلنا، نأخذ زادا من وجوه الأمهات والأخوات، ومن مرح "أياون" وشقائهم الجميل، لنستعين بها على ألم البعد، لكن هذا العام كان مختلفا فنحن نعود نحمل جرحا غائرا.


…

ماذا بقي؟ لم يبق شيء، من زيامة المنصورية إلى سيدي معروف إذا سميت الأماكن، لقد مسحتها النار، وماذا أعد من الأسماء وكلها عزيزة علي، حتى السفح الذي نجى من النار صار غريبا في عالم يلفه السواد، وتنبعث منه رائحة الحريق الكريهة، ويرى من بعيد الدخان الذي لا زال ينبعث من مناطق أخرى.

إنها المأساة التي تجعلك تقول: لماذا حدث هذا؟ ثم تستدرك وتعود لله الذي يشفي الجراح ويرفع البلاء.

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات