حصاد الوهم: نتائج "نسور قرطاج" في مونديال 2026.. خطيئة سنوات من العبث الإداري

تونس ــ قراءة تحليلية

في خضم هذا "الإسهال اللامتناهي" من الآراء، التحاليل، والانتقادات الحادة التي تلت الخيبة المدوية للمنتخب التونسي في نهائيات كأس العالم 2026، يبدو أن الشارع الرياضي استهلك كل أدوات تصفية الحسابات. ومع ذلك، لم تنتهِ فصول الصدمة بعد. في الحقيقة، لن نأتي بجديد، ولن تختلف الخلاصة عما صدحت به الجماهير؛ فما يُقال اليوم في المقاهي والبلاتوهات ينقسم إلى ثلاثة اتجاهات:


الأول: يوجه أصابع الاتهام مباشرة إلى الفنيين، محملًا اللاعبين والإطار الفني مسؤولية الفشل على المستطيل الأخضر.


الثاني:يلقي باللائمة على "المكتب الجامعي" الحالي، ويرى في رئيس الجامعة ومساعده مهندسي هذه النكسة.


الثالث: وهو الأعمق، يرى أن المشهد الحالي ليس سوى قمة جبل الجليد، ونتاج طبيعي لسنوات طويلة من غياب استراتيجيات العمل الواضحة والعصرية في قطاع الرياضة، بل يذهب هذا الاتجاه إلى أن ما يحدث في كرة القدم هو انعكاس لخراب أوسع يطال مجالات حيوية أخرى وسط لامبالاة عامة.

بطبيعة الحال، حاولت سلطة القرار امتصاص الغضب الشعبي، وسعت لتوجيه الأنظار نحو "الصنف الأول" (اللاعبين والمدرب). لكن المحاولة باءت بفشل ذريع بعد الهزيمة الثانية؛ إذ أثبتت الأحداث أن سياسة "الأكباش الفدية"، بالتضحية بالمدرب أو تحميل اللاعبين وحدهم وزر الفشل، هي مجرد مسكنات ظرفية تقطع الطريق أمام التفكير المنطقي والتقييم العقلاني لفهم أسباب الانهيار الحقيقية وتحديد المسؤوليات بدقة.

إن النجاح لا يأتي بمعجزة، والفشل لا يولد من فراغ. ولتفكيك شفرة هذه الأزمة، لنتأمل ما تخفيه الأرقام الصادمة، بعيداً عن بريق الإحصاءات المضللة.

تشريح الكارثة بالأرقام: البنية التحتية المفقودة والاستقرار المنعدم

1. بورصة الوزراء والجامعة: تسيير بروح "المؤقت"


• 12 وزيراً تداولوا على حقيبة الشباب والرياضة منذ الثورة، 6 منهم منذ عام 2020 وحده، وبعضهم لم يعمر في منصبه سوى 6 أشهر! عن أي رؤية أو استراتيجية نتحدث في بيئة وزارية يعيش فيها المسؤول قلق الرحيل كل صباح؟ من أين ستأتي روح المبادرة؟


• 6 رؤساء تداولوا على كرسي الجامعة التونسية لكرة القدم منذ 2011، ثلاثة منهم تعاقبوا منذ عام 2023. ثلاثة رؤساء في ثلاث سنوات! كيف يمكن لبناء كروي أن يستقيم بينما تُهدم الخطة السابقة مع رحيل كل مسؤول؟


• 13 مدرباً تعاقبوا على المقعد الفني للنسور منذ 2011، 8 منهم منذ عام 2019. بمعدل بقاء لا يتجاوز 14 شهراً للمدرب الواحد. بالكاد يتعرف الفني على مجموعته حتى يغادر "بالتراضي"، في دوامة لا تنتهي من عدم الاستقرار.

2. بنية تحتية تحتضر وعزلة دولية


• ربع قرن بلا منشأة جديدة: آخر مركب رياضي متكامل (ملعب، قاعة، مسبح) دشنته الدولة التونسية كان "مركب رادس" عام 2001 بمناسبة ألعاب البحر الأبيض المتوسط. منذ ذلك الحين، تصحرت الأحياء والمدن من أي فضاءات مهيأة لممارسة الرياضة، فأين ستنمو المواهب؟


• ملاعب خارج الخدمة: ملاعبنا التاريخية أصبحت مهترئة وخارج المواصفات العالمية؛ ملعب "المنزه" (تأسس 1967) غرق في أشغال ترميم لا تنتهي منذ سنوات، وملعب "الشاذلي زويتن" بات مستغلاً بشكل جزئي ومحتشم.


• عزلة عن الأحداث الكبرى: منذ تنظيم كأس إفريقيا لكرة القدم 2004 وكأس العالم لكرة اليد 2005، غابت تونس تماماً عن خارطة الاستضافات الرياضية الكبرى. 20 سنة كاملة نشأت فيها أجيال دون أن تعيش حافز الشغف الدبلوماسي والرياضي على أرضها.


• تراجع قاري للأندية: منذ 2011، توجت الأندية التونسية مجتمعة بخمسة ألقاب قارية فقط. حصيلة هزيلة تعكس بوضوح أن الخلل ضرب عمق المنظومة المحلية ولم يعد مقتصراً على المنتخب الأول.

الولاء قبل الكفاءة: عندما تصبح "الأكاديمية" تهمة

هذه الأرقام لا تكذب، هي مرآة لخيارات تراكمية اشتركت فيها الأندية، الجامعات، والدولة التونسية بوصفها المشرف الأول. لقد توقفت الدولة منذ فترة عن الاستثمار الحقيقي في القطاعات السيادية والخدماتية كالصحة، التعليم، والرياضة. وما زاد الطين بلة هو تفشي الرداءة والمحسوبية وسوء الإدارة، بعدما أصبح "الولاء" هو المعيار الأوحد للتعيين بدلاً من "الكفاءة". وبطبيعة الحال، "كيف لمن عُيّن على أساس الولاءات أن يختلف في عقليته عمن عيّنه؟"

ولعل أبرز مثالين يلخصان العبث السائد في التعاطي الرسمي مع الرياضة مؤخراً هما:

المشهد الأول: حوار وزير الشباب والرياضة الأخير مع أحد المواطنين؛ حيث نصحه الوزير علناً بتأسيس "شركة أهلية" بدلاً من "أكاديمية رياضية". الوزير لم يناقش جوهر المشروع الرياضي أو جدواه، بل غرق في الشكليات السياسية والتسميات، متوجساً من مصطلح "أكاديمية" وكأنه بات تهمة أو محل مؤاخذة!

المشهد الثاني: الكلمة التي وجهها رئيس الجمهورية لوفد المنتخب في القصر الرئاسي قبل السفر إلى المونديال، والتي جاء فيها: "التحضيرات والتربصات في الخارج لم تكن موجودة في وقت ما، ومع ذلك كانت هناك ميداليات". المشهد الأقوى لم يكن الخطاب التحفيزي الذي يقلل علناً من علمية التحضير لحدث بحجم كأس العالم، بل في إيماءات الانبهار والموافقة التامة من رئيس الجامعة ومساعده، اللذين سارعا بتقديم مفردات التأييد لسيادة الرئيس.

كيف يمكن للاعبين محترفين، يسمعون في أنديتهم الأوروبية الكبرى ليلاً نهاراً عن أهمية التفاصيل العلمية والتربصات، أن يستوعبوا خطاباً رسمياً يستنقص من آليات التقييم والتحضير الحديث؟

خلاصة القول:

إن ما حصدته تونس في مونديال 2026 ليس مفاجأة، بل هو النتيجة المنطقية لسياسة إدارية قوامها الارتجال، غياب الرؤية، والهروب المستمر من مواجهة الداء الحقيقي. الخروج من المونديال ليس نهاية المطاف، لكن الاستمرار بنفس العقلية يعني أن القادم سيكون أسوأ.

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات