تونس السعيدة: من العشق مقاولة ومن العشّاق مقاولون

ذهب رجل إلى امرأة لخطبها، فقال: «إني أكاد أجنّ من حبّك». فأجابت: «ولمَ أحببتني»؟ قال: «أحببتك لأنك أجمل امرأة رأيت». قالت: «إ أأكّد لك أن أختي أجمل مني. وهي تقف خلفك». التفت الرجل، فلم يجد أحدا. فلمّا عاد، وجد المرأة قد انصرفت. فتبعها، وهو يقول: «لقد كذبتني». أجابت، وهي تشيح بوجهها: «بل أنت الذي كذبتني. لو كنت أحببت ما كنت التفت. »

مثل الرجل كمثل جحافل عشّاق حاكم تونس من مقاولي الخامس والعشرين من جويلية وتجاره. وأبرزهم زمرة من المتغزّلين بالرئيس، يكادون يقولون إنه غزال في عيونهم. ومنهم من قال إن الرجل يعمل عشرين ساعة. ومنهم من أكّد أنه يأكل مرّة واحدة في اليوم. ومنهم من كاد ينزّهه عن الخطإ. لماذا كل ذلك؟ لأنهم يعتقدون أنهم يحبّونه، تماما مثل ما اعتقد الرجل أنه يحبّ المرأة، في حين أنه لم يكن إلاّ مفتونا بجمالها الزائل، جمالها ذي البدائل.

قد يقول البعض: «هؤلاء لا يعتقدون مخطئين، ولكنهم يدّعون متزلّفين». والجواب أن الله أعلم! وسواء أضنوا أم افتروا، فالنتيجة واحدة. يشيح عنهم الحبيب ويزدريهم الحاكم. فإذا هم يهرولون وراءه، ويقولون: «لقد كذبتنا»، فيجيب: «بل أنتم من تدّعون، و للمناصب تطمحون».

في هذه المسألة بالذات، أحسن الرئيس، أحسن وهو الخطّاء. إنه محقّ إذ يلقى بالجفاء هؤلاء المقاولين والتجار. أليسوا هم من اختار أن تقوم علاقتهم به على أساس العواطف؟ أليسوا هم من برّروا ما لا يبرّر باسم الثقة العمياء في نزاهته؟ وبما أنهم هم من اختاروا التنازل عن عقولهم لفائدة مشاعرهم، فبمعايير العشق الذي ادعوا ينبغي الحكم عليهم وعلى موقف الرئيس منهم.

هل يجوز أن يقول المحبّ لمحبوبته «أحبّك، لكن لا بد من بعض الضمانات»؟ طبعا لا. الحبّ إمّا أن يكون بلا قيد أو شرط، أو أن لا يكون أصلا. هكذا على الأقل يحسب كل محبوب. بهذا المعيار يسقط هؤلاء المقاولون في أول امتحان. ألم تقم مقاولات الخامس والعشرين من جويلية جميعها على مقولة: «نحن نثق في الرئيس، ولكن لا بدّ من ضمانات». أهذا عقل أم عاطفة؟ لو كان عقلا، فإن فيه خبالا. فما هي الضمانات التي كانوا يرجون من حاكم نسف الدستور؟ أمّا إذا كانت عاطفة، فقد خالطها النفاق. ذلك أن حسابات الربح والخسارة جليّة لا تخفيها «أوراق توت» التزلّف والمخاتلة. كيف يلوم هؤلاء الرئيس بعد ذلك حين تكسد تجارتهم؟ لو كانوا من «الصادقين» لما تجاروا، ولقالوا كما قال أحد المحبّين: «قلبي يحدّثني بأنك متلفي روحي فداك عرفت أم لم تعرف».

من تقنيات ترويض الخيول أن يضع المروّض جزرة في طرف عصا، ثم يمتطي صهوة الجواد، فإذا الجزرة تتدلّى أمام عيني الحصان، وإذا هو يركض نحوها، فتبتعد بقدر سعيه للاقتراب منها. كذلك يروّض الرئيس عشّاقه من مقاولي الخامس والعشرين من جويلية. إنه يوحي إليهم بأنه محقق مآربهم. فبعد تخليصهم من بعض خصومهم، اعتقد هؤلاء المقاولون أنه يحتاجهم لملإ الفراغ. أي أنهم حسبوا أن الرئيس يعمل لصالحهم. فأبدوا التذلل، بل وقبلوا المهانة.

الحقيقة أن التذلل والقبول بالمهانة ليسا عيبا إذا كان العشق هو الحكم. فتلك من أمارات المحبّين الحقيقيين. ومن ذلك قول الشاعر: «أغرّك مني حجم ذلّ مهانتي، وأنّك مهما تأمر القلب يفعل».

بهذا المعيار لا يسقط أصحابنا في الاختبار الثاني مباشرة. فقط تسقط بعض من كرامتهم. أما حبّهم، فربما كانت تلك المذلة علامة عليه. ربما! ولكنها لا تكون كذلك إلا إذا جاءت دون قيد أو شرط. المشكلة أن أصحابنا بقدر علوّ كعبهم في فنّ التبرقع بعلامات الحبّ، بقدر مرونة أعناقهم في الالتفات للبحث عن بدائله. وهو ما يغضب الحبيب صاحب الدلال، كما يثير ثائرة الحاكم صاحب الجلال.

إن هؤلاء قد جمعوا فأوعوا. إذ أنهم لم يغضبوا المحبوب فقط. لقد أغضبوّا العذّال أيضا. فقد توالت النصائح وتراكم النقد. لكن هيهات أن يسمعوا! هل ينفع المريض أن تأمره بالشفاء؟ كذلك لن ينفع هؤلاء تذكيرهم بالتعقّل إذ يلهثون وراء الجزرة المتدلية أمامهم. طبعا، لكل جزرته. وهنيئا لكل بجزرته!

من المحبوبات صنف يقال له اللعوب. وهي محبوبة لا تمنع مطلقا خشية أن ينساها حبيبها. ولكنها لا تصل فعلا مخافة أن يملّها. فتجدها تراوح بين المنع والوصل. ترسل إشارة يتعلّق بها قلب حبيبها، ولكنها لا تفعل أكثر من إرسال الإشارات. فيتمزّق قلب الحبيب بين اليأس والرجاء.

قياسا على ذلك أن يعد الرئيس عشّاقه بسيادة وطنية حقيقية، ثم يغلّق الأبواب للتفاوض مع صندوق النقد الدولي. نعم، هو ذات الصندوق. تلك المؤسسة التي كانت إلى أمس قريب عنوان الإمبريالية والهيمنة الرأسمالية. أمّا اليوم، فكل ما يأتي من الحبيب، فهو محمود. وهنيئا لهؤلاء بجائزتهم!

يعد الرئيس بديمقراطية حقيقية، ثم يركّز السلطات بين يديه، لا يغادر منها شيئا. أين العاشق الممزّق بين اليأس والرجاء في كذلك؟ إنه يلهث كي يتغزّل بالحاكم ويبرر أخطاءه. ثم يعود فيعتقد أن ذلك كاف لنيل وصل حبيبه. فيتجرأ على المطالبة ببعض المكاسب. فتأتيه الصفعة تلو الصفعة. ولكن ما يأتي من الحبيب محمود. وهنيئا لهؤلاء بجزرتهم!

يسبّ الرئيس المنظومة القديمة ويلعن كل ما فيها. فيلهث المقاولون للتذكير بأن الرئيس لا يقصد الأحزاب الوطنية. ما هي؟ هي أحزابهم طبعا. ثم يضع حبيبهم دستورا «قدّ على مقاسه»، فيصوتون له. ويردفه بقانون انتخابي يقصيهم عمليا، فيهددون بالمقاطعة، ويسبّون الهيئة المسؤولة عن تنظيم الانتخابات. بل ربما سبّوا البطانة والبلاط ورفقاء السوء. لماذا؟ لأن كل ما يأتي من الحبيب محمود. فهنيئا لهؤلاء بجزرتهم!

أكثر المقاولين كانوا مستعدين للاكتفاء حتى بعروش الجزرة. ذلك أنهم أنصاف أحرار. لقد أذاقتهم الديمقراطية سمّ الحرية، فما عادوا عبيدا مطمئنين لعبوديتهم. ولكنه سمّ عجز أن يجري في عروقهم المتصلبة من جمودها. فلم يصيروا مواطنين.

المشكل أن محبوبهم لا يحبّ أنصاف الأحرار. فهؤلاء يذكّرونه بالرقاب الملتفّة الباحثة عن بدائل. إنه يحبّ مواطنيه هو، لا غيرهم. وهم أولئك الذين بلغوا من العشق درجة الصبابة، فأصبحوا يرون الحرية في العبودية للمحبوب، وصاروا يعرّفون الحياة بالفناء فيه.

هؤلاء هم الوطنيون الصادقون. أمّا ما دونهم، فقد وجب تطهير البلاد منهم في جلاء ثان قد أعلن عنه الحاكم بمناسبة عيد الجلاء. يستوي في ذلك العذول الجاحد والمحبّ المقاول. وإذا كان من العشق مقاولة ومن العشّاق مقاولون، فهؤلاء قد جمعوا بين خسارتين. فلا هم قاوموا مقاومة الأحرار، ولا هم فنوا فناء المحبّين.

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات