يلعب العمل الصحفي دورا هاما داخل المجتمع وخارجه فالصحفي لا يحمل بيده مجرد قلم أو كاميرا بل يحمل أداة تساهم في نشر الحقيقة كما هي, ولولا الصحافة لما عرفت الشعوب الأكاذيب التي ينتهجها الكيان الصهيوني ولما رأينا جرائمه في غزة ولما رأينا التعاطف الواسع مع الشعب الفلسطيني الذي بلغ الجامعات الأوروبية التي تعد من أهم المراكز التي تحضر فيها السردية الصهيونية.
الحقيقة أن دور الصحفي في نقل الخبر وكشف الحقيقة ليس بالجديد إذ أن النماذج هنا تتعدد والتي ارتبطت تاريخيا بمحاربة الاستعمار والسعي نحو الحرية و الاستقلال نذكر منها مثالا لا حصرا جريدة "التونسي" الناطقة باللغة الفرنسية التي أسسها "علي باش حامبة" سنة 1907 لمخاطبة النخبة المثقفة عامة والسلطات الفرنسية خاصة لإيصال صوت المواطن التونسي كما يمكن أن نذكر جريدة "العمل التونسي" التي أسسها "الحبيب بورقيبة" مع ثلة من رفاقه في الحركة الدستورية سنة 1932 والتي لعبت دورا هاما في تأسيس "الحزب الحر الدستوري الجديد" سنة 1934 كما ساهمت في نشر السردية الوطنية التي يتبناها أنصار الحركة الدستورية والشعب التونسي عامة.
كل ذلك يجعل العمل الصحفي صوتا لمن لا صوت له عبر مواجهة السلطة عند الضرورة وهو ما يزعج الحاكم خاصة في عالمنا العربي أين فرضت على الصحافة عدة قيود سعيا لإسكات صوت الصحفي و إعدام قلمه لتبقى الحقيقة مجهولة والدليل هو تعرض عدة صحافيين لتضييقات و انتهاكات وصلت حد السجن والنفي وهو ما سيتطرق له هذا المقال.
قمع العمل الصحفي قبل موجة "الربيع العربي"
مخطئ من يعتقد أن قمع العمل الصحفي وليد اللحظة بالكهرباء، هذا القمع قد برز منذ احتلال الدول العربية, حيث أنه من المعلوم أن أغلب الدول العربية قد تعرضت سابقا للاحتلال الفرنسي أو البريطاني أو الايطالي أو حتى الاسباني وهو ما يجعل قمع أي صوت مناهض ورافض لهذه الموجة الاستعمارية محل تتبع وتضييق ففي الجزائر مثلا أصدرت السلطات الفرنسية في 2/8/1836 قانونا وضع الصحافة تحت يد الحاكم العام فلا ينشر شيء دون رخصة وموافقة هذا الأخير ورغم تنقيح هذا القانون في 15/4/1945 إلا أن الأمر لم يتغير حيث اكتفى هذا القانون بمنح هذه الصلاحية الرقابية التي تخدم السلطات الاستعمارية الفرنسية لوزير الحرب بدلا من الحاكم العام, هذا وقد تعرضت عدة صحف للإيقاف أو الحجز مثل جريدة التونسي التي منعت السلطات الاستعمارية الفرنسية صدورها إثر أحداث الجلاز في صيف سنة 1911 وصحيفة المجاهد الجزائرية التي دمر الفرنسيون مطابعها سنة 1957, كما واجه عدة صحفيين هرسلة وصلت حد الاعتقال والتعذيب على غرار الصحفي الحقوقي "هنري علاق" الذي اعتقلته السلطات الفرنسية سنة 1957 وحكم عليه بالسجن لمدة 10 سنوات سنة 1960 بعد توجيه تهم إرهابية ضده وقد وثق "هنري علاق" هذه التجربة في كتابه "السؤال" الذي ذكر فيه عدة أساليب تستخدمها الشرطة الفرنسية في التحقيق مثل الصعق بالكهرباء, الضرب المبرح, الحرمان من الطعام.
مع موجة الاستقلال التي عرفتها جل الدول العربية ما عدى فلسطين اعتقد الصحفيون أن هذا القمع بات جزء من الماضي ليتبين لاحقا أن هذه الفكرة مجرد اعتقاد خاطئ, فبعد استقلال تونس في 20 مارس 1956 وإلغاء انظام الملكي وإعلان النظام الجمهوري في 25 جويلية 1957 تولى الرئيس الراحل ابن الحركة الوطنية "الحبيب بورقيبة" رئاسة الجمهورية وصحيح أن "بورقيبة" قد جاء بعدة إصلاحات اجتماعية مثل إصدار "مجلة الأحوال الشخصية" في 13 أوت 1956 التي اعتبرها عدة مفكرين مكسبا للمرأة التونسية إلا أن العمل الصحفي لم يتحرر في عهده وهو ما يتضح من خلال القانون عدد 32 لسنة 1975 الذي اشترط حصول أي صحيفة على وصل إصدار لتكون قابلة للنشر وهو ما يتعارض مع الفصل 8 من دستور 1957 الذي يضمن حرية الصحافة والاعلام والاجتماع, كما تم إيقاف نشر عدة جرائد مثل جريدة الشعب إثر أحداث "الخميس الأسود" في جانفي 1978 وفي شهادته لدى هيئة الحقيقة والكرامة أكد الصحفي والسياسي "محمد بنور" بأن رؤساء التحرير في فترة حكم "الحبيب بورقيبة" كانوا يتلقون الأوامر لنشر ما يخدم السلطة, ومع ما يسمى بالانقلاب الطبي في 7 نوفمبر 1987 الذي أدى بإزاحة الحبيب بورقيبة وتولي "زين العابدين بن علي" رئاسة الجمهورية ضن جميع التونسيين أن عهد "بن علي" هو عهد الحريات خاصة بعد خطاباته المطمئنة الضامنة لجميع الحريات إلا أن هذا الاعتقاد تبين أنه خاطئ بدوره إذ استغلت السلطات في تلك الفترة قانون سنة 1975 لإيقاف نشر عدة صحف مثل صحيفة "الفجر" التابعة لحركة النهضة سنة 1990 بعد أشهر من إصدارها, كما تم حجز وتعطيل توزيع جريدة "الموقف" الناطقة باسم الحزب الديمقراطي التقدمي, ولم يتوقف نظام "بن علي" حد تعطيل توزيع الصحف بل تجاوز ذلك إلى التضييق على صحفيين مثل الصحفي "سليم بوخذير" الذي أكد تعرضه للاختطاف قرب منزله بعد إجراء مقابلة صحفية مع منصة "بي بي سي" أين تعرض للضرب والتجريد من ملابسه قبل أن يتم القائه في حديقة عامة, ويذكر أن الصحفي "سليم بوخذير" كان قد تم إيقافه سنة 2007 بعد كتابة مقال ينتقد الرئيس "زين العابدين بن علي" شأنه شأن الصحفي "توفيق بن بريك" الذي تم إيقافه لمدة 6 أشهر بعد توجيه تهم ضده تتعلق بالاعتداء وتدمير الممتلكات والتشهير وانتهاك الآداب العامة وقد اعتبرت عدة جهات حقوقية أن هذا الحكم يحمل خلفية سياسية.
العمل الصحفي بعد موجة "الربيع العربي"
عرف العالم العربي في صيف 2010 عدة احتجاجات بدأت من تونس التي نجح شعبها في إزاحة "زين العابدين بن علي" الذي هرب إلى المملكة العربية السعودية وشملت مصر التي أزاح شعبها بدوره "حسني مبارك" من سدة الحكم وليبيا واليمن وسوريا, ورغم أن المشهد السياسي في ليبيا واليمن وسوريا قبل هروب "بشار الأسد" إلى روسيا في 8 ديسمبر 2024 قد ازداد تعقيدا حيث دخلت ليبيا في عدة نزاعات مسلحة بعد مقتل "معمر القذافي" وعرفت اليمن عدة تجاذبات سياسية انتهت إلى ما يشبه الدولة المقسمة بين حكومة وجماعة الحوثيين إلا أن تونس ومصر نجحتا في السيطرة على الأمور عبر انتخاب مجلس تأسيسي في 23 أكتوبر 2011 وتشكيل حكومة "الترويكا" وتولي "المنصف المرزوقي" رئاسة الجمهورية في تونس وتولي المجلس الأعلى للقوات المسلحة في مصر إدارة المرحلة الانتقالية قبل انتخاب الرئيس الراحل "محمد مرسي" أين شهد العمل الصحفي تطورا نسبيا حيث تعددت الأصوات الناقدة للسلطة السياسية وهو ما كان غائبا في فترة حكم "بن علي" و "حسني مبارك".
هذا التطور لم يدم طويلا خاصة في مصر ففور الاطاحة بالرئيس "محمد مرسي" تم إغلاق عدة قنوات وصحف مثل قناة "مصر 25" وصحيفة "الحرية والعدالة" وحتى المواقع والصحف الالكترونية لم تسلم من هذا التضييق ففي شهر سبتمبر من السنة الحالية اعتقلت السلطات المصرية على ستة صحفيين من المنصة الاعلامية "متصدقش" وتوجيه تهم ارهابية ضدهم وقد محامو هؤلاء الصحفيين تعرض موكليهم للضرب والتعذيب أثناء فترة احتجازهم مع اجبارهم على قراءة اعترافات ملفقة أمام الكاميرا وهو ما نفته الداخلية المصرية معتبرة أن هذه الادعاءات محاولة من المتهمين للتنصل من الاتهامات الموجهة لهم, وفي 27 أكتوبر أصدر القضاء المصري قرارا يقضي بإغلاق موقع "مدى مصر" وتغريم رئيسة تحريره "لينا عطاء الله" ب3000 جنيه بسبب إدارة موقع إلكتروني دون الحصول على ترخيص رسمي من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في حين أكد فريق الدفاع أن موقع "مدى مصر" قد تقدم بعدة طلبات منذ سنة 2018 للحصول على ترخيص دون الحصول على أي رد, وقد اعتبرت "مراسلون بلا حدود" أن هذا القرار يمثل تصعيداً ضد الصحافة المستقلة وحرية التعبير في مصر.
وفي تونس تم إصدار المرسوم عدد 54 في 13 سبتمبر 2022 الذي لعب دورا في إصدار عدة أحكام قضائية ضد عدة صحفيين مثل الصحفية ومديرة موقع "تونس ميديا" خولة بوكريم التي صدر ضدها حكمان غيابيان يقضيان بسجنها لمدة 4 سنوات على معنى المرسوم عدد 54 وقد أدانت نقابة الصحفيين التونسيين هذا القرار مطالبة بإلغائه وإيقاف توظيف المرسوم 54 في ملاحقة الصحفيين وكافة أصحاب الرأي, هذا وقد أكد موقع "تونس ميديا" تعرض الصحفية "خولة بوكريم" لحملات تشهير وثلب وهتك عرض بسبب عملها الصحفي ومواقفها المدافعة عن حرية التعبير كما أكدت نقابة الصحفيين في تقرير شهر جويلية 2024 أن محكمة الإستئناف بتونس في 30 جويلية 2024 حكما يقضي بسجن الصحفي "مراد الزغيدي" لمدة 8 أشهر بسبب تصريحات اعلامية استنادا للفصل 24 من المرسوم عدد 54 كما أكد ذات التقرير أن المحكمة الابتدائية بتونس 1 قد قضت في 5 جويلية 2024 بسجن "سنية الدهماني" لمدة سنة استنادا لذات الفصل من ذات المرسوم على خلفية تصريحات إعلامية حول ملف الهجرة الغير نظامية بتونس.
يذكر بأن المرسوم عدد 54 قد تم تنقيحه في 30 سبتمبر 2026 مستبدلا العقوبة السجنية التي كانت واردة بالفصل 24 منه بخطية مالية من 10 الاف دينار إلى 20 ألف دينار.
عموما لا يمكن الحديث عن التضييقات التي يواجهها الصحفيون دون التطرق لممارسات الكيان الصهيوني التي تجاوزت كل الخطوط الحمراء وأصبحت جرائم إن غفرتها المحاكم الدولية وغضت الطرف عنها فالمؤكد أن محكمة التاريخ لن تغفرها, ومن هذه الجرائم نذكر على سبيل الذكر لا الحصر اغتيال الصحفية الفلسطينية والمراسلة في قناة الجزيرة "شيرين أبو عاقلة" من طرف القوات الصهيونية إثر تغطيتها الصحفية لمداهمة الجيش الصهيوني لمخيم جنين في الضفة الغربية كما شهد تشييع جثمانها تعطيلا من القوات الصهيونية التي دمرت في 26 أكتوبر 2023 نصبا تذكاريا يخلد ذكرى الصحفية الراحلة "شيرين أبو عاقلة", ولا يجب أن ننسى تاريخ 10 أوت 2023 أين نجح الكيان الصهيوني في إخماد صوت مراسل قناة الجزيرة "أنس الشريف" والمصورين "محمد قريقع, إبراهيم ظاهر ومحمد نوفل" بغارة جوية استهدفت مخيمهم وأدت لمقتلهم جميعا ليسكت بذلك الكيان الصهيوني أصواتا لطالما أزعجته وفضحت جرائمه و وحشيته ضد مواطنين فلسطينيين عزل .
افاق الصحافة العربية
بداية من الضروري التأكيد على إعفاء العمل الصحفي من التضييق وإيقاف الملاحقات القضائية زيادة على رفع القيود المفروضة على المؤسسات الإعلامية، كما يجب مراجعة المنظومة القانونية والسياسية التي تحكم العمل الصحفي بطريقة موضوعية لتكون منسجمة مع المواثيق الدولية على غرار المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
فضلا عن كل هذا وجب حماية الصحفيين من الاعتداءات والتهديدات والملاحقات، وضمان عدم إفلات مرتكبي الانتهاكات من المساءلة، ولا يمكن الحديث عن مستقبل ديمقراطي في العالم العربي دون صحافة قادرة على مساءلة السلطة وكشف التجاوزات ونقل أصوات المواطنين بمختلف توجهاتهم. فحرية الصحافة ليست امتيازًا تمنحه الحكومات أو تسحبه متى شاءت، بل هو حق أساسي وشرط من شروط قيام دولة القانون والمؤسسات.