"فإمّا حياة وإمّا فلا
وعن ثغر بنزرت نبغي الجلاء
فلسنا نعيش ونحيا سدى
فمغربنا يا فرنسا غدا
ينادي الجلاء الجلاء الجلاء"
هذا جز ء من أغنية للمطربة الراحلة عليّة وكلمات الشاعر عبد المجيد بن جدو. هذه الأغنية غنتها عليّة سنة 1961 بمناسبة معركة بنزرت المطالبة بجلاء الجيش الفرنسي عن مدينة بنزرت التي رفض الفرنسيون مغادرتها رغم مرور خمس سنوات على استقلال تونس.
أجواء المعركة وما رافقها من تعبئة سياسية وإعلامية المعركة أبرزت رغبة شعبيّة عارمة في الجلاء التام والاستقلال الشامل الذي يحرر الأرض والقرار الوطني معا.
بعد سنتين من هذه المعركة، وحين استتب له الوضع الإقليمي بفض قضية الجزائر، غادر الجيش الفرنسي الأراضي التونسية وتم جلاء آخر جندي فرنسي عن تونس وهي العبارة التي يحبّذها التونسيون لأنّها حقّقت أملهم المنشود وهدفهم الأسمى في الاستقلال التام.
شهداء كثر قضوا في هذه المعركة أكثر بكثير من الرواية الرسمية التي تشير إلى 639 شهيدا فقط، في حين أورد مؤرّخون أرقاما تصل ال خمسة آلاف شهيدا.
لقد بقينا أسرى للقراءة الرسمية التي ترفض إعادة قراءة التاريخ والانفتاح على الدراسات الجامعية والبحوث المحكّمة التي أنجزت في الغرض والشهادات التي أدلى بها الفاعلون الميدانيون من عسكريين ومدنيين ممّن شاركوا في المعركة.
وسبب ذلك الأسر المتواصل أنّ النظام المهيمن "السستام" يرفض التغيير بل يحاربه بكلّ قوة لتبقى الرواية الرسمية هي المهيمنة في المقررات التربوية وفي الإعلام لتصنع المخيال الجمعي على مقاسها فبقيت أسيرة قراءة بالية مفوّتة مضت عليها خمس وستون سنة.
سألت أحمد بن صالح الوزير الأقوى خلال ستينيات القرن الماضي عن ما يثار حول ما كتبه مؤرخون وما أدلى به سياسيون عن "افتعال بورقيبة لمعركة بنزرت دون إعداد مسبق لها ودون مراعاة موازين القوى لكي يضمن موقعه داخل حركة عدم الانحياز التي رفضته في البداية، ونعته عدد من أعضائها بالموالاة للغرب؟"
فكان جوابه: "مهما اختلفنا حول تحليل معركة بنزرت وأبعادها يبقى هذا التفسير قائما، وقد علمت ذلك أثناء إقامتي بالخارج واطلعت على تقارير تشير إلى ذلك، وخاصة التقارير الصادرة عن دبلوماسيين واكبوا المعركة وما سبقها من مفاوضات" ( انظر كتاب لطفي حجي: بورقيبة والجهاد الأكبر، ملحمة الاشتراكية الدستوري، شهادة الوزير الأعظم، أحمد بن صالح(.
ببساطة شديدة، رغم تلك الشهادات، والأطروحات حول هذه القضية، يبقى الإصرار على القراءة القديمة عائقا أمام التطور. فهي تحافظ على صورة الزعيم الملهم "القائد في الكفاح والضامن للنجاح" كما يردد عامة الأتباع، لأنّها قراءة عاجزة عن تحقيق انعتاق شعبي دائم.
فما معنى الجلاء اليوم؟
الذين استشهدوا في معركة بنزرت وما سبقها من ملاحم بطوليّة ضد الاستعمار الفرنسي، كان طموحهم استقلالا تاما يحرّر الوطن من كل أشكال التبعيّة وينهض به على كافة الأصعدة.
غير أنّ الأجيال الموالية تعتبر أنّ السلطات المتعاقبة عجزت عن تحقيق ذلك، وفي قراءة أكثر راديكاليّة خانت مطالب الجلاء. فبعد خمسة وستون عاما من الجلاء بقي القرار السياسي مرهونا لقوى دولية واقليمية تعطّل أَّيّ استقلال فعلي.
فمطمورة روما كما كانت تسمّى عن تحقيق الاكتفاء الذاتي الزراعي/الغذائي لاعتبارات ذات علاقة بالتأثير الخارجي والمغانم التي يحققها الوكلاء.
وفي الصناعة كانت انطلاقة الستينيات رائدة ولافتة لكن سرعان ما تم تدميرها بكل الوسائل لنبقى تُبَّعا وتتعمّق تبعيتنا من سنة إلى أخرى ويتسع الفارق بيننا وبين الدول الصناعية بما يُحدِث انهيارا نفسيّا لدى عامّة الشعب يجعله يعتقد أنّنا غير قادرين على اللحاق بركب الحضارة وقد بح صوت بورقيبة وهو يحث الشعب على ذلك.
قال برقيبة منذ خمسين سنة لمعمر القذافي منذ سنوات وأنت تردّد باستمرار "طز في أمريكا" وتدعو إلى تحدّيها وأنت عاجز عن صناعة أبسط القطع الصناعية التي تحتاجها بلادك. وضرب له مثلا كيف تعطّل سخّان قصر قرطاج فبقوا أسابيع دون تدفئة ينتظرون وصول القطعة من الخارج، فكيف يكون التحدي وأنت رهين بأكملك للخارج؟!!!".
وقال لي أحمد بن صالح، كما هو وارد في كتابي المشار إليه أعلاه، إنّه لم يفسد تجربة الستينات سواء "البريزنتر"كما يسمّيهم تحقيرا لهم، أي الوكلاء، وكلاء الشركات الأجنبة والدول الغربية الذين يعتبرون عمولتهم أهم من أيّ اقتصاد وطني ومن أيّ استقلالية فعلية، وهم دائما في خدمة الخارج ومستعدون لتدمير التجارب الوطنية من أجل عمولتهم مقابل أدوارهم في اعتبار المواد الخارجية أولوية مقابل الإنتاج الوطني".
لقد لخّص بن صالح عقدة الجلاء التام في كلمات معدودات، فحين يصبح الوكيل أقوى من الوطن ينتفي الجلاء التام كما حلم به الشهداء والمقاومون الحقيقيون.