"هل يمكننا الإشارة إلى أنّكِ يهودية؟"

"هل يمكننا الإشارة إلى أنّكِ يهودية؟ أعلم أن هذا أمر شخصي للغاية، لكنه من شأنه أن يُبطل فرضية [الصحفي] ريكنباخر بشكل كبير".

وصلتني هذه الرسالة من رئيس تحرير سويس إنفو يوم 30 أكتوبر 2024. كان القصف الإسرائيلي، حتّى ذلك الحين، قد قتل أكثر من 40 ألف فلسطيني في غزة.

لم أكن يهودية. وكان رئيس تحريري يعلم ذلك، فقد كان أهداني قبل بضعة أشهر تمرًا بمناسبة صيامي شهر رمضان.

يهودية تصوم رمضان؟ بل كنتُ ما كنتُه دائمًا: صحفية تونسية، عربية، مسلمة، لها تاريخ ومواقف وذاكرة.

!

بعد أكثر من شهر، في 2 ديسمبر 2024، نشرت الصحيفة السويسرية المحافظة "نويه تسورخر تسايتونغ" مقالَ الصحفي المؤيّد لإسرائيل دانييل ريكنباخر عنّي. المقال، الذي أعُدُّه درسًا في "الإلغاء عبر التأطير" (Cancelling by framing)، أشار إليّ بالاسم الكامل والجنسية والديانة، وبنى سرديّته على ثلاث طبقات.

الأولى: عيّنة من ثلاث مقابلات صحفية من إنجازي، قدّمها بما يوحي بأنها تمثّل كلَّ تغطية سويس إنفو لموضوع حظر حماس في سويسرا، وأنها تعرض فقط وجهة النظر الرافضة أو الناقدة للحظر.

الثانية: مختارات من منشورات قديمة لي على وسائل التواصل الاجتماعي، سابقة بكثير لانضمامي إلى سويس إنفو بل ولهجرتي إلى سويسرا، تعبِّر عن مواقف مؤيدة لفلسطين وحقوق الفلسطينيين في الحرية والكرامة والدفاع عن أنفسهم وأرضهم. ومن هذه المنشورات خلُص ريكنباخر إلى أن "أمل المكي ليست إسلامية، لكنها تنشر خطابًا متطرفًا" في سويسرا.

والثالثة: ادّعاؤه بأنني "المسؤولة عن معظم التقارير الإخبارية المتعلقة بالشرق الأوسط" في سويس إنفو.

المنشورات التي أشار إليها ريكنباخر كانت حقيقية. لم أنكرها يومًا، وما زلتُ مؤمنة بالمبادئ التي تعبّر عنها.

أمّا النقطتان الأخريان، فكانتا بالنسبة إليّ مضلّلتين.

أوّلًا، لم أكن الصحفية الوحيدة في سويس إنفو التي كتبت عن اعتزام الحكومة السويسرية حظر حماس. كانت مقابلاتي جزءًا صغيرًا من تغطية أوسع شارك فيها زملاء وزميلات آخرون سويسريون وأوروبيون.

لكن هنا مربط الفرس: حتى تاريخ نشر مقال ريكنباخر، كانت تغطية سويس إنفو للموضوع، بالفعل، قد أفسحت المجال فقط تقريبًا للأصوات الناقدة أو الرافضة أو المحذّرة من الحظر.

أي أن الخلل، إن وُجد، لم يكن "تغطية أمل". كان خللًا تحريريًا على مستوى المؤسسة.

وثانيًا، لم أكن، بصفتي صحفية ورئيسة للقسم العربي، مسؤولة بأي شكل عن "معظم" تغطية الشرق الأوسط في سويس إنفو. فذلك يتجاوز بكثير صلاحياتي ومسؤوليتي الفعلية داخل المؤسسة.

طلبتُ من سويس إنفو أن تطالب بتصحيح هاتين النقطتين أمام الرأي العام. لم أتلقّ ردًا على الأولى. أما الثانية، فقد أجابني رئيس التحرير بأنها "مجرّد فارق صغير" (nuance).

وهنا بدأ السؤال الحقيقي بالنسبة إليّ:

حين تصبح الصحفية "قابلة للهجوم" (attackable)، كما سأُوصَف لاحقا، بسبب هويتها ومواقفها الشخصية غير الحاضرة في عملِها الصحفي، هل تتحوّل المعلومة الخاطئة عن حجم مسؤوليتها المهنية إلى "مجرد فارق صغير" بالنسبة لمشغّلها وبالنسبة للرأي العامّ الذي يؤمّن بضرائبه السنوية عملَ المؤسسة الإعلامية نفسها؟

لم تكن المشكلة بالنسبة إليّ أنّ صحفيا مؤيّدا لإسرائيل قد انتقدني أو حتّى "شهّر" بي. المشكلة هي ما حدث عندما تحوّل تاريخي وهويتي من معطيات شخصية إلى قرائن مهنية. ولم تجد مؤسستي، برأيي، مانعًا في التماشي معها.

هنا تبدأ الأخرنة.

فقد كتب الفلسطيني إدوارد سعيد، عقودًا قبل حرب الإبادة في غزّة، عن الطريقة التي لا يُكتفى فيها بوصف "الشرق" و"الشرقي"، بل يُنتَج بوصفه "آخر": موضوعًا للفحص والشكّ والتفسير. في حالتي، وحالة كل الصحفيين الذين تعرّضوا للإسكات في سياق الإبادة وقبلَها، لم يعد السؤال: هل احترمتُ المعايير الصحفية في تغطيتي للشرق الأوسط والحرب على غزّة؟ بل: من تكون أمل؟ ماذا كانت تقول قبل سنوات طويلة؟ وما القضية التي تحملها معها في ضميرها إلى غرفة الأخبار؟

ألا يذكّركم ذلك بمحاكم التفتيش؟

ثم كان 6 ديسمبر 2024.

دخلتُ يومها اجتماعًا مع رئيس التحرير ومسؤولة الموارد البشرية وأنا أطلب شيئين: تصحيح المعلومات الخاطئة والمضلّلة في مقال ريكنباخر، والحماية بعد إعادة الصحفي المذكور نشر مقاله على موقع مؤيد لإسرائيل (أعتبره ضمن مجهودات "الهاسبرا" الإسرائيلية)، مع إرفاقه هذه المرّة بصوري وحساباتي الشخصية.

لكنّني سأخرج من الاجتماع منهارة.

فبينما كنتُ أطالب بتنوير الرأي العامّ وبحمايتي، فوجئت بمسؤولة الموارد البشرية "تُحقّق معي" بشأن اتهام داخلي ورد عليها من زميلة لي في القسم العربي بأنني "أخلط بين الصحافة والنشاط السياسي" منذ انضمامي لسويس إنفو. رسالة اتّهامية لم أكن قد سمعت بها، ولم تُسلَّم لي منها نسخة قبل الاجتماع ولا خلاله. والأهمّ، أنها أُرسلت إلى الإدارة يومين فقط بعد نشر ريكنباخر مقاله عنّي.

بل والأهمّ من ذلك كلّه أن سويس إنفو لم تكن قد عثرت في أي من عملي المنشور منذ انضمامي للمؤسسة على تحيّز أو تسيّس. وبعبارة رئيس التحرير نفسه في رسالة إلكترونية بتاريخ 31 أكتوبر 2024 فقد كانت "جميع المقالات التي كتبتِها تتوافق مع معاييرنا التحريرية".

وفي الاجتماع نفسه، سأبلّغ كذلك بأن زميلًا آخر من القسم العربي قد وصفني، بعد مقال ريكنباخر أيضا، بأنني "مخيفة جدًا بحيث يصعب الحديث معي" حول ما فهمت أنّه تأثّري بالإبادة الدائرة في غزة.

وفي الاجتماع نفسه، سيقول لي رئيس التحرير إنّه سيكون عليّ "بسبب من أكون" (عربية مسلمة) أن آخذ مسافة من عبارة "الاحتلال الإسرائيلي"، رغم اعتراضي بأنّ القانون الدولي وسويسرا نفسها يعتبران الأراضي الفلسطينية محتلّة، ورغم استخدام زملائي وزميلاتي في سويس إنفو أنفسهم تلك العبارة بشكل روتيني.

حتى ذلك الوقت، لم أكن على علم بأي شكاوى موثّقة من قبل زملائي في القسم العربي ( أو أي قسم آخر) ضدّ عملي أو إدارتي. وقبل أيام فقط من نشر ريكنباخر مقاله، كنتُ وأعضاء فريقي نتبادل كعادتنا الحديث عن هموم الحياة، وبلداننا العرية، وعن غزة، والحرب، ونتشارك ما كنتُ أعتقد أنه الوجع العربي، ونتقاسم "الكسكسي" والكنافة النابلسية" والضحك في مطعم المؤسسة.

لذلك لم يكن وقع الاتهامات عليّ مهنيًا فقط. كان شخصيًا أيضًا.

فقد ظهر "الخذلان العربي" في قصتي كما يظهر في وجعنا العربي دائمًا: لا بوصفه حكمًا علينا كعرب، بل سؤالًا مؤلمًا عن موقعنا نحن، العرب، داخل المؤسسة الغالبة. ماذا نفعل حين تُصبح هوية أحدنا عبئًا؟ هل نحمي حقه في أن يكون صاحب صوت وهوية وقضية، أم نسارع إلى إثبات أننا لسنا مثله؟

هذه كانت الوقائع.

أمّا قراءتي لها، فهي شيء آخر.

قراءتي أن سويس إنفو التي فكّرت، قبل مقال ريكنباخر، في أن هوّية يهودية مفترضة قد تحميني (وتحمي المؤسسة)، تعاملت بعده مع هويتي العربية والمسلمة كعامل يستوجب مني معيارًا إضافيًا من الحذر والمسافة المهنية.

وهذا، بالنسبة إليّ، ليس حيادًا. ولا موضوعية. (ولا كنافة نابلسية للضرورة الشعرية).

إنه معيار مزدوج. وأراه تمييزًا على أساس الهوية.

في سردي للقصّة، يحضرني فانون بـ"الجلد الأسود، والأقنعة البيضاء". لا كشتيمة لمن يختار الاندماج، بل كسؤال: ماذا يطلب المركز من غير الأبيض كي يُعتبر "مهنيًا" و"موضوعيًا"؟ كم على غير الأبيض أن يبتعد عن نفسه؟ ومتى تتحوّل قابلية الاندماج إلى شرط للتنكّر؟

ويحضرني مالكوم إكس في استعارته القاسية عن "زنجي المنزل" و"زنجي الحقل". لا بغرض توزيع الألقاب على الأشخاص، بل لفهم كيف تستطيع بنية القوة أن تجعل الخاضعين لها يتنافسون على القرب منها، حتّى وإن عنى ذلك أن يصبح بعضهم أداةً لضبط بعض.

وتحضرني، من التجربة الفرنسية، عبارة "العربي في الخدمة". ذلك الذي يُستدعى كلّما احتاجت المؤسسة إلى "صوت عربي"، ثم يُعاد حصره في تلك الخانة. تُستوفى المهمّة.

وسؤالي اليوم أوسع:

هل يُسمح للعربي في غرفة الأخبار الغربية أن يكون صحفيًا كاملًا؟

أم يُطلب منه أن يكون عربيًا مفيدًا: منزوع الحوافّ، قابلًا للعرض، مطمئنًا مركز القوّة؟

أنا لا أملك نوايا الآخرين. ولا أدّعي معرفتها.

أعرف فقط ما حدث لي، وما تقوله الوثائق.

شخّص طبيبي النفسي إصابتي بنوبة اكتئاب حادّة مرتبطة بالعمل، معتبرًا اجتماع 6 ديسمبر 2024 عاملًا سببيًا في الانهيار النفسيّ الحادّ الذي حدث خلاله. وخضعت لاحقًا لعلاج نفسي ودوائي، شمل جلسات إزالة حساسية حركة العين وإعادة المعالجة (EMDR) لمعالجة أثر الأحداث الصادمة، وأدوية مضادّة للاكتئاب.

لم أعد إلى العمل في سويس إنفو منذ اجتماع 6 ديسمبر 2024. بقيتُ في إجازة مرضية حتى أنهت المؤسسة تعاقدها معي قبل أن أصير في حلّ منها رسميّا نهاية جويلية 2026.

كان هذا جزءا فقط من قصّتي. أحكيه اليوم ونحن نحيي الذكرى الثالثة لحرب إبادة أهلنا في غزّة. أحكيها، وقد تعافيتُ واستعدتُ صوتي، لأنّ ذلك واجبي تجاه الذين لم يتعافوا بعد والّذين لم يملكوا يوما صوتًا. لأنّه واجبي الصحفي.

لكنّ قصّتي ليست قصّة مرض.

إنّها قصّة سلطة.

سلطة من يملك تعريف "الموضوعية". من يملك امتياز أن تكون له قضية ولا تُستخدم ضدّه. من يُسمح له بالحزن على القتلى، ومن يُطالب بإظهار مسافته من الحزن. من يُسمح له بالغضب، ومن يتحوّل غضبه إلى دليل اتّهام. من يملك أن يقول هذا "احتلال"، ومن يُطلب منه أن يبتعد عن تلك الكلمة "بسبب من يكون".

لهذا، عندما أعود اليوم إلى رسالة رئيس التحرير لي في 30 أكتوبر 2024، أفهمها بالضبط كما أُريد لها أن تكون.

"هل يمكننا الإشارة إلى أنك يهودية؟"

كان جوابي طبعًا: لا.

قبل أن أضيف بنبرة ساخرة:

آسفة... يبدو أنني أنتمي إلى "النوع السيّء من الساميّة":

العربية.

تحيا فلسطين، حرّة أبيّة.

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات