لم أشأ أن أعلق على كلمة رئيس الجمهورية لولا طلب صديق أحترمه كثيرا.

Photo

ماذا قال الرئيس التونسي في كلمته الثانية منذ توليه قيادة البلاد و في 15دقيقة انتصب فيها وراء منصة باردة الأثر في النفس بلا حراك جسماني يلاحظ و لا تغيّر في نبرة الصوت و لا ابتسامة و لا تعبيرات وجه مستبشرة و في قراءة تكاد تكون متعثرة لنص مكتوب يعبر عن سابقية الاضمار المضموني لما جاء فيه ؟

هذه الكلمة التي تكتسي طابعا خاصا لدي كل قيادات العالم مرتبطا بالظرفية الزمنية و الانتقال التاريخي من عام مضى الي عام جديد و هي في ذلك حريصة على الأخذ بالجوانب الشكلية فيه في المظهر و التفاعل التواصلي غير اللفظي شكلا و رمزيات و نبرات و تعبيرات صوتية إيجابية impressive body language و مضمونا سياسيا و إنسانيا و وجدانيا يلامس مكامن الأمل و الاستبشار و يتجاوز مشاعر الاحباط و اليأس و الحديث مع الذات .

كلمة العام الجديد نعرفها موجزة للتهاني و التبريكات و للتموقع القيادي المسؤول لمواصلة مشوار المسؤولية الكبرى في الدولة بروح العزيمة و الدفع نحو العمل و تجاوز المحن و البلايا و ليس كلمة لنقول فيها "هلك القوم" علما أن الرسول عليه السلام قال أن من قال هلك الناس فهو أهلكُهم أي فهو أشدهم هلاكا، والمسلمون لا يهلكون بل لا تزال فيهم طائفة على الحق منصورة حتى يأتي أمر الله.

ماذا قال رئيسنا إذن :

--حزمة من العبرات السلبية و التعيبرات الوصفية المُسقطة بمعاني غير محفزة حاول من خلالها الثأر للذات الاعتبارية و الفصل كالعادة بين فسطاط "الخير" و فسطاط"الشر".

--مقاربة تشخيصية تفصيلية غير مطلوبة لما حدث خلال عام كامل جمعت بين الأجندة السياسية و التهمة الكيدية و التصنيف الأحادي التقدير للفاعلين في المشهد العام دون تحديد على الأقل لسلم الأولويات و الأهمية بحيث تأخر ذكر الجائحة الوبائية مثلا (بعد 7دقائق من الحديث و أغلب كلمات الرؤساء هذه الأيام تأتي منذ البداية) مقابل ذكر الخلافات بين شخصه و "هؤلاء ".

-- حرص على عدم التغاضي عن ذكر من يريد التنويه بهم و حشر ذكرهم في كل الحالات و المواقف بين النقل الجوي و الرعاية الصحية الأولية مثل القوات المسلحة للجيش و لأول مرة يتحدث عن القوات المسلحة للأمن و تنسيقيات الشباب في إطار الحوار الوطني.

--الاستعمال المقصود لعبارات أرادها أن تكون انفجارية في المعجم الخطابي للكلمة مثل التواجد أو القدوم من كوكب آخر و هذا الاستعمال لا يخفى ذكاء في تسريب المعنى و الدعوة للاهتمام به كشكل من أشكال البوز السياسي.

--التوسل لله بالدعاء في خمس مرات مما لا يخفى رغبة في التميز عن خلفه في المرجعية الدينية من جهة و في الخطبة الجُمعية في بعدها الايماني و خلفية الإمام القائد و التذكير بالمسؤولية أمام الله و الشعب و التاريخ من جهة ثانية.

السيد رئيس الجمهورية خطاب التهاني بالعام الجديد ليس ملكك وحدك تتصرف فيه كما تشاء شكلا و مضمونا بل يتقاسم معك كل التونسيين هذه الملكية بما تعودوا فيه من عبارات الفأل بالخير و القيادة بالأمل و التحفيز بوضوح الرؤية و العمل بروح الجماعة لا بالفسطاط.

سيدي الرئيس :

تفاءلوا بالخير تجدوه.. ما أروعها من كلمة، وما أعظمها من عبارة.. نعم ليست حديثا نبويا، ولكنها حقيقة واقعة، ووصفة مجربة.. من تفاءل بالخير وجده، ومن سعى للسعادة حصلها، ومن عاش التشاؤم قتله، أو قتل بالهم عمره فضاع سدى وحسرة، والمرء يختار لنفسه، فكل من التفاؤل والتشاؤم فن يحسنه نوع من الناس، ويجلبه إلى نفسه وحياته، وينقله إلى من حوله.

سيدي الرئيس لا تركب رأسك في خطابك و اجعل لك مستشارا مختصا غير متطفل في الاتصال السياسي يشد أزرك و يحميك بما أمكن من الخطأ كما قال موسى عليه السلام طالبا ربه بتواضع "( واجعل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشدد بِهِ أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ في أَمْرِي).

انتهى الحديث و الي كلمة التهاني بقدوم شهر رمضان ان شاء الله.

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات