يقود بعض السوريين حملة مكارثية عفوية تبدأ برغبة الثأر من إيران (ورغبة الانتقام قد تكون شعورا إنسانيا طبيعيا)، والتشفي في قصف حزب الاه (رغم أن القصف يطال جميع اللبنانيين ومبان مدنية ورغم أن القاصف والمعتدي هو إسرائيل)، ثم تتحول إلى أسئلة بوليسية: هل أنت توالي إيران وحزب الشيطان؟
يبدأ الأمر بمشاعر تستدعي ذاكرة الآلام السورية غير أن هذه الذاكرة تحذف جرائم السعودية وروسيا وإسرائيل وتضخم فقط ما يتعلق بإيران.
(عانى السوريون من ما يزيد عن عشرة سنوات من القتل والاقتتال الداخلي والإجرام العلوي والإيراني والروسي، وضخ الخليج خاصة السعودية ملايين الدولارات لتضخيم هذه المقتلة ، وتحول كثير من (الجهاديين) لأمراء حرب ينعمون بالدعم وتمتلئ سجونهم بالخصوم أو الأبرياء، شاهدت إسرائيل هذه المقتلة وعملت على استمرارها ثم احتلت جزءا إضافيا من الأراضي السورية، بينما قادت روسيا هذه المذبحة ضد السوريين منذ 2015 مستلمة الراية من بشار).
سرعان ما تتحول هذه المشاعر لمشاعر جمعية متفق عليها مسبقا، غير قابلة للنقاش ولا للسؤال، وأي مساءلة لتفاصيل هذه الذاكرة يواجه بالحذف (البلوك في أحسن الأحوال)، فقد قرر السوريون هذه الذاكرة (شبه المصطنعة) بشكل لا واع فيما بينهم كهوية وطنية، بل كإيديولوجية وطنية حُرموا منها على مدار سنوات طويلة؛ وعندما تتحول الذاكرة المشوهة إلى إيديولوجية غير قابلة للمساءلة وتحل بالمرء محل الهوية تتحول إلى كيتش.
والكيتش هي كلمة استعان بها الكاتب ميلان كونديرا ليصف الواقع في روايته "كائن لا تُحتمل خفته"، وهي كلمة ألمانية انتشرت في القرن التاسع عشر مع تيار الرومانسية، والكلمة تعني النفاية، وصارت إشارة معتمدة للأدب والفن الهابط، وبهذا المعنى دخلت القاموس ما بعد الحداثي. استخدمها كونديرا للإشارة إلى نوع من أنواع الرومانسية والعاطفية "المستبدة".
واستخدمته أروى صالح في كتابها "المبتسرون" كإشارة إلى "حلم الخلاص الجماعي"، حيث "الكيتش اليساري"، "المسيرة الكبرى"، حلم اليسار بالسير تجاه الأخوة والمساواة والعدالة والسعادة.
"ففي مملكة الكيتش التوتاليتارية / الشمولية تُعطى الإجابات مُسبقا محرمة بذلك أي سؤال جديد. لذلك فبقدر ما أن الكيتش هو المثال الأعلى لكل السياسيين ولكل الحركات السياسية، يكون الإنسان الذي يتساءل هو العدو الحقيقي للكيتش، ولذلك الكيتش قناع يُخفى وراءه الموت."
أما في الحالة السورية فالكيتش هو ما يجعل أي مراقب يشعر بالرداءة تحيط بالحالة السورية، هذا التفاؤل المفرط والتأييد التام للإدارة السورية، ذلك التغاضي عن جرائم روسيا وإسرائيل مقابل تضخيم جرائم ايران في سوريا، ثم الجلوس مع سيناتورز صهاينة يؤيدون الإبادة في غزة ، بجانب استقبال الصهاينة في دمشق، وحضورهم الاقتصادي عبر واجهات رجال أعمال سوريين عاشوا في الخليج أو أمريكا، هذا التماهي مع السياسات الأمريكية بداية من الرقصة الرديئة لطرمب الذي أداها موسى العمر، وحتى الحياد بل والتشفي خلال العدوان الأمريكي الإسرائيلي على ايران ولبنان والعراق وقبلهم اليمن، ثم تصريحات الجولاني حول دعم جوزيف عون خريج مدرسة محاربة الإرهاب، واقتصاد غسيل الأموال الإماراتي.
هذا التماهي يشبه ما شرحه كونديرا حول الكيتش بأنه "الوفاق التام مع الوجود، نقطة التماس بين النداء العام / نداء الواجب وبين الدوافع الخفية، الوفاق التام كرغبة محرقة عند أناس يشعرون بالضبط بعدم الوفاق مع أنفسهم ومع العالم، كأنهم خلاصة لإحساس أشقائهم البشر بالنقص الكامن دوما في الكائن الإنساني (ربما ذاكرة آلامه) والساعي أبدا للاكتمال (لثقل يمنحه جذورا، وربما استمرارية قد تتغلب مرة في صراعه الأبدي ضد الموت)، تلك الثغرة في الوجود الإنساني، التي من توترها بين الحلم والواقع - بين الأمل في الوفاق التام والعجز عنه - تُصنع المواهب الكبيرة، وأيضا كل أنواع الإحباط والفشل والجريمة.
غير أن لحلم الوفاق التام ككل أوضاع وصور الوجود الإنساني معضلاته - أو تناقضاته إن استخدمت تعبيرا هيجليا - فلكي يُثمر ينبغي أن تصدقه بما يكفي كي تقامر، تُقامر حتى بوجودك كله في لحظة، وهو بالضبط ما يفعله المناضلون في لحظة انتشاء بإمكانية تجاوز الوجود الفردي والمصير الفردي، ولقد عرفنا كلنا - حتى أسوأنا - حلاوة هذه اللحظة، إنها لحظة حرية، لحظة خفة لا تكاد تحتمل، من فرط جمالها، ولكنك لو صدقته إلى حد بلوغ حالة من "الوفاق التام" بالفعل، الوفاق التام مع الذات أو الكيتش (حلم أو أسطورة الخلاص الجماعي)، أيا كان الكيتش الذي اخترته لنفسك، فقد دخلت رأسا دائرة ملؤها الشر، بل الجنون.
حينئذ تفقد التسامح، لا تعود مستعدا لقبول أي تناقض مع الكيتش، إذ لا يعود البشر بالنسبة لك عوالم حية، أي متناقضة، بل أشياء تضعها على سرير بروكست الذي يحدده الكيتش (دينيا كان أو شيوعيا)، تقطع رأس هذا، وتمط رجل ذاك، كي يتلاءما مع طول السرير، مع قالب الكيتش، تغدو أكثر ثقلا من غطاء حجري لقبر، جدرانه "يقين"، فمشكلة الكيتش أنه يطرح جانبا كل ما هو غير مقبول في الوجود الإنساني، حتى أن الأديب يصفه في تعريفه الثاني له بأنه "نفي مطلق للبراز"!
لا يستطيع قادة الحملة المكارثية السورية خاصة هؤلاء الذين قضوا سنوات الاغتراب في استانبول أو المانيا ونعموا بوضع ممتاز أن يتخلصوا من شوقهم للحظة الاعتراف الجماعي، لحظة الشعور الجمعي التي راوا الأتراك أو أي شعب آخر ينعم بسعادتها البلهاء، شوقهم لأن يصبحوا شعبا له دولة، بعدما عانوا الغربة وسنوات ضياع الماهية قبل الهوية.
ولذلك اطمأنوا لقناعات جمعية لاواعية، تنتصب فيها ايران وحزب الاه كشيطان يطوفون حولهما ويرجمونهما، أما التصالح مع روسيا والتغاضي عن إسرائيل، وتلبية رغبات الخليج حتى لو كانت على حساب حرية الناس وحياتهم فهي تمثل صنما آخر، صنم الحنكة السياسية لنبني الدولة التي ستنتشل شعب الغربة والمنافي من ضياعهم وتعيدهم لقلب التاريخ.
هذه القناعة "ترفض مطمئنة واثقة كل تناقض، كل اختلاف سوى الاعتراف السعيد الأبله بالتوافق التام مع الكيتش "المختار"، تلك الأخوة الباسمة في المسيرة الكبرى أو في الله، هي القناع الذي يُخفى الموت، بل الجنون، فبفضل هذا اليقين ارتكبت أفظع مجازر الشيوعية، وكذلك توافهها المهينة للعقل، الرهيبة لهذا السبب".
ومع ذلك أتفهم صعوبة الخروج من الكيتش، إن الخروج من الكيتش يستلزم من الإنسان تحطيم نفسه بداية من ذاكرته حتى ماهيته ويتساءل أكثر الأسئلة ألما حول وجوده؛ رحلة الخروج من الكيتش شاقة وقد تحطم الإنسان للابد، أعني هنا خروج الشخص من وعيه الجمعي أو من أيديولوجيته أو مساءلة كل قناعاته وبالتالي ذاكرته، عملية شبيهة بخروجك الفجائي من مسيرة جنائزية، أن تتخلى فجأة عما تسير نحوه ومن تسير معه، حتى عن أصنام مثل الوطنية، الالتزام، الشعب، القضية. وترى الحياة كما هي.