في سياق الذكرى والذاكرة التاريخية يبرز درس عامّ: الانتصار على الفاشية لم يكن مجرد حدث تاريخي أو تحول جيوسياسي عابر، بل مدرسة أخلاقية تُعلّمنا قيم التضامن، والتضحية من أجل الحرية، والعمل المشترك ضد أطماع التمييز. وفي هذه المدرسة يكمن عبرة مهمة للعلاقات الدولية المعاصرة، ولا سيما للعلاقة المتسارعة النمو بين الصين والدول العربية. إن استحضار «روح النصر على الفاشية» ليس ترفًا نوستالجيًا، بل فرصة لإعادة قراءة الماضي كمرجع لبناء الشراكة المستقبلية الذي تقوم على العدالة والتنمية والاحترام المتبادل.
أولاً، تُذكّرنا هذه الروح بأهمية التضامن بين الأمم في مواجهة أخطار كبرى. الانتصار التاريخي تحقق حين اجتمعت الدول والقوى والشعوب حول قضية مشتركة؛ اليوم تواجه منطقتنا والعالم تحديات مشتركة متنوعة وهي: عدم المساواة الاقتصادية، والتغيّر المناخي، والأزمات الأمنية. ومن هذا المنطلق يمكن للعلاقات الصينية-العربية أن تتحول إلى إطار شراكة يمكّن الطرفين من مواجهة هذه التحديات عبر مشاريع مستدامة مشتركة، بدلا من علاقات التبادل القصيرة الأمد أو سياسات الهيمنة. ينبغي للتعاون الصيني العربي أن يركّز على بناء القدرات المحلية، وتبادل النقل التكنولوجي، وتمويل مشاريع تخدم النهوض الاجتماعي والاقتصادي للشعوب العربية.
ثانياً، تاريخ مقاومة الفاشية يُعلّمنا أن الانتصار لا يقاس بهزيمة عدو فحسب، بل بتحقيق شروط العدالة الاجتماعية التي تحول الإنجاز العسكري إلى السلام الدائم. لذلك يجب توجيه التعاون إلى مجالات تلمس حياة المواطنين: التعليم الفني والجامعي، والصحة العامة، وتطوير البنية التحتية المستدامة، وبرامج لتمكين الشباب وريادة الأعمال. البرامج الثقافية والأكاديمية المشتركة التي توسّع فرص التبادل بين الطلاب والباحثين من الجانبين تُعتبر استثماراً مؤسسياً طويل الأجل في الفهم المتبادل يقلل من سوء الفهم.
ثالثاً، تُعتبر الذاكرة التاريخية التي تحفظ دروس الحرب العالمية الثانية مناعة ضد خطاب الكراهية والتطرف. إذ إن تعزيز قنوات التواصل المدني والحوار الثقافي بين الصين والعالم العربي — عبر دعم الترجمة المتبادلة للأدب، وتشجيع الإنتاج السينمائي والمسرحي المشترك، وتبادل الفنون— يسهم في كسر الصور النمطية.
رابعاً، تشير تجارب النضال ضد الفاشية إلى أهمية بناء مؤسسات قوية ومرنة قادرة على صون حقوق المواطنين وحماية المكتسبات. في سياق الشراكة الصينية-العربية يتوجب أن تُواكب الاستثمارات الكبرى إصلاحات مؤسسية تعزّز حكم القانون، وحقوق العمال، والمعايير البيئية.
خامساً، العلاقة بين الذاكرة والسياسة الخارجية تُبرز أن الاحترام المتبادل يزداد صدقية حين يُترجم إلى مبادرات عملية. يمكن تحويل الرمزية إلى أثر حقيقي عبر إطلاق برامج مشتركة للرعاية الصحية في المناطق المهمشة، وإطلاق صناديق للبحث العلمي تُعنى بقضايا منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في مجالات الطاقة المتجددة والمواد الغذائية، وتطوير البنية الرقمية للمدن الذكية التي تضع الإنسان ورفاهيته في صلب الاهتمام.
سادساً، استحضار روح الانتصار على الفاشية يعني أيضاً التزاماً أخلاقياً بمكافحة أشكال الاستبداد الجديدة والتمييز القائم على العرق أو الدين أو الأصل. الحوار حول هذه القضايا يجب أن يكون واقعياً وبعيداً عن الخطاب الوعظي، مع التركيز على خطوات قابلة للقياس والتحسين المستمر.
ختامًا، لا ينبغي أن تبقى ذكرى الانتصار على الفاشية في متحف الذكريات؛ بل يجب أن تتحوّل إلى مصدر إلهام لبناء شراكات تستند إلى مبدأ التضامن الدولي وتؤمّن مصالح الشعوب وتضمن مستقبلًا أكثر استدامة وعدلاً. بين الصين والدول العربية تتوفر اليوم موارد وفرص تجعل من الشراكة إمكانية حقيقية لتحويل دروس الماضي إلى سياسات تطويرية حقيقية. فلتكن هذه الشراكة التي تحتفي بالذاكرة التاريخية أيضاً شراكة تعمل على إضاءة دروب المستقبل: تعاونًا يقلّص الفجوات، ويعزز الأمن البشري، ويوطد السلام العادل—وبذلك تبقى روح الانتصار على الفاشية حيةً، لا كذكرى فحسب، بل كالتزام عملي ينعكس في حياة الناس ومستقبل الأجيال القادمة.