السياسي التونسي و"الترهدين"

الصورة العامة للسياسي التونسي أنّه يفضّل "الترهدين" في السياسة كأسلوب، ويعطي للأسلوب مكانة أكبر من المضمون، ويعوّل على قدرته على "الترهدين" أكثر مما يعوّل على الممارسة الفعلية في الواقع، كما يعوّل على "الترهدين" في توظيف ممارسته أو قلبها أو التنكر لها. ويسمّي كلّ ذلك ذكاء وحنكة وتكتيكا !!!

و"الترهدين" هو كلّ سلوك قائم على الكذب والغش والمداهنة والمراوغة والمداراة وتجنّب قول الحقيقة عموما إما تستّرا أو نفاقا أو تضليلا. وكان مالك بن نبي يكتب مفرّقا بين السياسة والبوليتيك ... هذا المصطلح الذي يعني في لهجتنا العامية الكذب . تقول "يزّي من البوليتيك" يعني يكفي من الكذب.

الملاحظة العامة أنّ السياسيين التوانسة، على الأقل منذ دخول الاستعمار، مارسوا السياسة بمنطق "الترهدين"، واستمروا على ذلك في أجيالهم المتعاقبة، قبل الاستعمار المباشر وبعده. وهو ما نلاحظه الآن في سلوك السياسيين عموما على اختلاف مواقعهم .

لفت نظري كيف أنّ بورقيبة مثلا، دفع بشباب الحزب إلى مظاهرة 9 أفريل، ولكنّه تظاهر بالمرض ولم يشارك فيها، وعندما جاءه الماطري ودعاه إلى إيقاف المظاهرة قبل انطلاقها بيوم خوفا من تطورات الأوضاع نحو الأسوأ، قال له: "لازم يسيل الدم". وفي نفس الوقت تعلّل له بأن الأمر خرج من بين يديه ولا يستطيع التراجع عنه. لكنّه عند استنطاقه من قبل النيابة الفرنسية استعمل خطابا آخر، يكاد يكون توريطا للمتظاهرين، و تبرّأ منهم، وتأكيدا على أنه ليس مع الاستقلال عن فرنسا. خطاب محكم السبك لكنّه قائم أساسا على الكذب والمراوغة !

نفس هذا الأسلوب القائم على "الترهدين" مارسته معارضة بورقيبة بمختلف انتماءاتها الايديولوجية، وتموقعاتها في الفضاءات العامة، سواء في السياسة أو في المنظمات الاجتماعية وعلى رأسها النقابة وفي ساحة الثقافة و الفكر .

وقد لعب المحامون دورا مهما في تكريس "الرهدنة"، بخلفية إنقاذ المعتقل من الوقوع تحت طائلة الإدانة الجزائية، وسحبوا ذلك الأسلوب على الحياة السياسية، بحيث كانوا يمارسون السياسة، ويقرؤون حساب الوقوع تحت طائلة قانون جائر ما قاموا إلا اعتراضا عليه !

الملاحظة المهمة أنّهم كانوا ولا يزالون الفصيل الأكبر الذي مارس ويمارس السياسة بل يقود أحزابها ومؤسساتها في الحكم وخارجه.

والسياسي التونسي لا يتحمّل من يمارس السياسة والمعارضة بوضوح، معتبرا إياه "خلواض" و "متطرف" و"غير واقعي" و"إرهابي" وأقل الأوصاف "موش سياسي"، ويتجنّب مساندته والتعاطف معه. وحتى إذا ما قرر الدفاع عنه، والتعاطف معه، فمن أجل استثمار ذلك في رصيده السياسي في الداخل والخارج. لكنّه يحرص في نفس الوقت على التمايز عنه.

قد يبدأ السياسي التونسي حياته السياسية في شبابه، متشبثا بالحقيقة، ومدافعا شرسا عنها، وقد يخوض مغامرة مواجهة الظلم والظالمين،حالما بالنصر والتمكين. ولكنّه ينتهي في الغالب "رهدانا"، يداري ويراوغ، ويخفي تاريخه الناصع، بخطاب الترهدين والبوليتيك، الذي هو في جوهره تنصّل مما سبق بحذلقات التأويل الفاسد، والتبرير الفاضح لما هو عليه في ثوبه الجديد.

ربما يكون " الترهدين" جزءا من شخصية التونسي عموما، فلا غرو أن تنطبع ممارسته السياسة بذلك.

لكن المحصّلة التي أريد أن أخلص إليها، أنّ جزءا من فشل السياسة عندنا، مرتبط بهذه الخصيصة الغالبة على سلوك السياسي التونسي. فهو يفضّل ازدواجية الخطاب والممارسة، ويتجنّب تحمّل تبعات ممارساته، ويهوّن من خطر الازدواجية و"الترهدين" على رسالته الإصلاحية. لا بل إن "الترهدين" يتحوّل إلى قاتل لشعاراته ورؤاه وبرامجه، حيث كلّما حاصره خصومه وخاصة الدولة، أمعن في المراوغة والمداهنة، حتى يجد نفسه قد ابتعد كثيرا عن مقصده وأهدافه، وتحوّل إلى الضفّة المقابلة التي كان ينازعها، ويسعى للانتصار عليها ... كان ذلك شأن أغلب معارضي فرنسا وعلى رأسهم بورقيبة، وهو شأن أغلب معارضي بورقيبة ودولته رموزا وأحزابا وتيارات.

ولا يزال السياسي التونسي، بعد الثورة، يرتكب نفس الخطأ والخطيئة. الكلّ "يترهدن" على الكلّ، والكلّ يتجنّب تحمّل تبعات موقفه، بل إنه يتجنّب تفصيل موقفه ويتمسّك بالعموميات، ويحرص على ألاّ يكون له موقف يحاسب عليه، ويعدّ نفسه للقفز من السفينة التي هو عليها إذا دارت الدوائر، ويتجنّب كلّ نقد ذاتي. وكم من معارض شرس تحول إلى خادم لنفس النظام الذي أفنى زهرة شبابه يحاربه.

بقيت ملاحظة ربما تكون ذات بعد أنثروبولوجي، تتعلق بالفرق في معنى "الترهدين" بين جهات البلاد، على الأقل في الجهة التي أنتمي إليها. حيث أنه عندنا وإن كان معناه لا يبتعد في جوهره عن معناه في بقية الجهات، إلا أنّ ظلاله السلبية غالبة على الموقف منه، لكنه في جهات أخرى، الغالب على ظلاله أنّها إيجابية، أو على الأقل ليست سلبية بحجم ما عندنا.

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات