الثورة والأخلاق

قامت الثورة ضد الدكتاتورية والاستبداد، ومقصودها القضاء على نظام حكم همجي، والإتيان عليه من جذوره، ولكن يجب عدم النسيان بأنها ثورة للقضاء على عالم القيم السلبية التي أشاعها النظام الدكتاتوري في المدرسة وفي المؤسسة وفي الشارع في الجامعة في القضاء في الجيش في كل مجالات الحياة.

ومن أهم القيم السلبية التي تجذرت في عالم القيم خلال هذه السنوات الطويلة الظلم والكبت والخوف:

1-“التقية”

وما يترتب عليها من إخفاء وكبت وظهور كاذب. والتقية نوعان: نوع يعود إلى التاريخ المتعلق بالطوائف، وصار مبدأ من مبادئ المذهب.

ونوع صار وسيلة عامة من وسائل إخفاء الشعور الحقيقي تجاه السلطة خوفاً من العواقب الوخيمة التي تترتب على الظهور الحقيقي.

2-“العنف”

بكل أشكاله من العنف اللغوي-الشتيمة، إلى العنف الجسدي، مروراً بالعنف الأيديولوجي. بدأ العنف اللغوي يصبح ظاهرة من ظواهر المخاطبة لدى جلاوزة النظام.

فاستخدام الكلمات النابية من قبل أجهزة الأمن وأفراد سرايا الدفاع وما شابه ذلك من عسكر صار شيئاً فشيئاً طقساً عاماً في العنف اللغوي.

وهذا العنف وغيره قد عمم أخلاق نفي الآخر وجعل نمو الوقاحة سلوكاً سائداً.

3- “الوقاحة”

بوصفها فقداناً للحياء تؤدي، حتماً، إلى فقدان الضمير. فالوقاحة هنا موت المؤسسة الاجتماعية بوصفها سلطة أخلاقية. وعندما تموت سلطة المجتمع الأخلاقية يصبح كل شيء مباحاً. وكلها قيم سلبية تؤدي إلى موت استقلال الذات، موت قيمة الإنسان الفرد. موت الإنسان.

ولا شك إن أجيالاً عاشت في ظل هذا الدمار الأخلاقي، ولا سيما التي ولدت في ظله وعاشت، لن تفلت من آثاره السلبية بدرجات مختلفة. بل قد تتحول هذه القيم السلبية إلى بنية لا شعورية لدى الفرد.

وإعادة الاعتبار لعالم القيم الإيجابية أمر ليس سهلاً. والقيم الإيجابية هي قيم الحرية حيث لا تقية ولا وقاحة ولا عنف بل انتصار للفرد وقيمته بوصفه ذاتاً. غير إن أخطر ما في الأمر سريان الأخلاق السلبية في سلوك جمهور من النخبة المثقفة التي تنتج الخطاب.

لقد فاجأنا الفيسبوك بالانحطاط الأخلاقي لدى من نعرفهم، واللغة السوقية عند بعض من كانوا منتجي الخطابات الثقافية. صحيح بأن هذه الظاهرة منتشرة عند الهامشيين، لكن جاء حين من الدهر لم يكن عند الفئات الهامشية من صغار الكتبة هذه النقيصة.

وعليه فإن أول ما يجب القيام به أن تتحرر النخبة قبل كل شيء من هذا الخراب الأخلاقي، لأن دورها في البناء الأخلاقي الجديد كبير جداً.

أنا لا أعرف ما الطريق إلى ذلك، لكني أعرف شيئاً واحداً، أن أحداً لا يستطيع أن يعلن انحيازه للحرية إذا لم ينطوِ هو ذاته على قيم الحرية، واحترام الإنسان قيمة مهمة من قيم الحرية.

فالثورة هي ثورة أخلاقية أيضاً.

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات