في تحليل خطاب إعلام الدود

Photo

في نقل مباشر لبعض القنوات مارس بعض المحجورين حقه في الاحتفاظ بمعطياته الشخصية ورفض تصويره ونقل صورته مباشرة، وفضحَ محاولة إعلاميي العار التجارة بصورته إذ قيل إن المحجورين تصدوا للصحفية التي أرادت استجوابهم مرددين شعار "ديقاج يا جماعة البوز".

فما كان من الصحفية المطرودة في طريق الخروج إلا أن ردت الفعل متوجهة إلى بعض المحجورين بالقول "أنا خارجة سيأكلك الدود هنا يا وسخ." هو خطاب خبري في الظاهر. وكلمة الدود هنا لها دلالات رمزية كثيفة في المخيال الشعبي. فهي تحتمل معنى الوسخ في مقابل النظافة وهي عبارة فيها نعت للمحجورين بالوسخ أي أنهم لم يأخذوا بأسباب النظافة كما تمليه قواعد الصحة بل حتى قواعد الطهارة في الدين.

وفي كل هذا تحميل لمسؤولية الوباء للمحجورين كما لو كان الأمر من صنع أيديهم، يساعد على هذا المعنى نعتها لأحد المحجورين بالوسخ. كذلك تشير كلمة الدود في المخيال الشعبي إلى الجثة بعد إنزالها القبر أي أن فيها تنبؤا بأن مصير هؤلاء هو الموت إذ من المعلوم أن الجثة يغزوها الدود في طور من أطوار تحللها.

لكن هذا التحليل كله مبني على ظاهر الخطاب الخبري. لكن من الواضح أن قصد الصحفية ليس مجرد الإخبار عن أوضاع هؤلاء المحجورين بل إنشاء أعمال يخرج بها الخطاب عن ظاهره فهو من الخبر الذي قصد به الإنشاء وهو إنشاء مكثف كذلك له مستويات عديدة، فهو يفيد الدعاء من جهة أي هو في قوة أن لو قيل "فليأكلكم الدود"، وهو يفيد الرجاء "أي رجاء أن يأكل الدود هؤلاء المحجورين"، وهو يفيد الشتم أي السعي إلى إيلام المخاطبين والتقليل من احترامهم.

فقد وصل الأمر بهذه "الصحفية" إلى درجة من العنف اللفظي يجعل المسألة كأنها شخصية. هذا كله يمكن أن نجد له تفسيرا لو صدر عن إنسان عادي دخل في مناوشة مع بعض هؤلاء المحجورين لأسباب شخصية.

لكن الغريب أن يصدر عن صحفية لها خبرة سنوات في ممارسة الصحافة كما أقر بذلك منشط البرنامج نفسه. والسؤال الذي يطرح هنا ما الدافع الذي يجعل صحفيا يدخل في مناوشة مع من يفترض أنه موضوع لعمله خارقا بذلك كل قواعد المهنة الصحفية. أظن أن ذلك لا بمكن فهمه إلا إذا قدرنا أن وجود الصحفية لم يكن لأسباب مهنية صرفة، إذ لو كان كذلك لاكتفت بمغادرة المكان بهدوء. لكن يبدو أن رد الفعل هذا جاء على خلفية فعل آخر يوازيه قوة وهو فضح الغاية الحقيقية الكامنة وراء "العمل الصحفي" وهي "البوز" كما يعبر عنه باللسان الأعجمي أي الإثارة التي تجلب نسب المشاهدة المرتفعة.

هذا الفضح قام به المحجورون الذين رفضوا أن يكونوا موضوعا للإثارة ولأن تتاجر القناة وأصحابها بمعاناتهم وهو ما أثار حفيظة هذه "الصحفية". وبالإضافة إلى هذا السلوك الأرعن للصحفية قام مقدم البرنامج بالإعلان عن هذه الغاية بنفسه في آخر برنامجه لما تحدث عن نسب المشاهدة المرتفعة وأبدى تعجبه من أنها لم تنخفض إلى آخر البرنامج ففضح الغاية من البرنامج كله.

إذ ليس هذا "التحقيق الصحفي" المحبط إلا عنصرا من الخطة التي أقيم عليها البرنامج الذي استهدف رفع نسب المشاهدة عن طريق بث الخوف والهلع في قلوب التونسيين والتشكيك في الإجراءات التي اتخذتها الدولة للتصدي إلى هذا الوباء. البرنامج كله يصب في مصلحة "باعث القناة" وحلفائه من رجال الأعمال الذين فضح البرنامج نواياهم في الاستثمار في آلام التونسيين ومصائبهم.

ويكفي تحليل خطاب رجل الأعمال المتنكر في صفة طبيب وإلحاحه على توريد أجهزة التحليل وتعبيره عن حرقة المصدرين الذين حرمتهم وزارة الصحة من التجارة في مصائب التونسيين. إن الصحفية لم تخطئ لأنها عبرت عن العنوان اللائق بهذا النوع من الإعلام. إن كلمات إعلام العار وإعلام المجاري لم تعد لائقة به، بل اللائق وصفه من هنا فصاعدا بإعلام الدود.

Poster commentaire - أضف تعليقا

أي تعليق مسيء خارجا عن حدود الأخلاق ولا علاقة له بالمقال سيتم حذفه
Tout commentaire injurieux et sans rapport avec l'article sera supprimé.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات