متى تنتهي سلطة الأب ومتى تبدأ سلطة الدولة؟ الواقع بين التشخيص والحلول

لكل جريمة جذورها: عندما تُغتصب السلطة تسقط العدالة، وتتفتت الأسرة، ويغيب الأمن، ويُهمَّش المجتمع، فيطمئن المجرم ثم تُغتصب الفتاة

الجريمة لا تبدأ دائمًا يوم وقوعها، ولا يولد المجرم في اللحظة التي تصل فيها سيارة الأمن. قبل الجريمة الكبرى تكون، في كثير من الأحيان، سلسلة طويلة من الإشارات الصغيرة: شتيمة اعتدناها، تهديد لم يؤخذ بجدية، عنف بسيط مرّ بلا ردع، تمرد داخل الأسرة، صحبة خطرة، انسحاب تدريجي لسلطة الأب والأم، حي مهمش، وثقة تتراجع في الأمن والقضاء، إلى أن تقع الكارثة فيسأل الجميع: كيف وصلنا إلى هنا؟

وكلما ارتكب شاب في الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة جريمة تهز المجتمع، سرعان ما يُغلق جانب من النقاش بعبارة جاهزة: قد كبر، ولم يعد يسمع كلام والديه، فما ذنبهما فيما يفعل؟ وهي عبارة تبدو منطقية للوهلة الأولى؛ فلا يمكن أن نطالب أبًا أو أمًا بالسيطرة بالقوة على شاب بالغ قد يتمرد عليهما، بل قد يصبحان هما نفسيهما عاجزين عن ردعه أو خائفين منه. لكن بلوغ الابن سنًا معينة، أو عجز والديه عن السيطرة عليه، هل يعني بالضرورة أن مسؤولية الأسرة الاجتماعية والقانونية تنتهي بالكامل؟

من الناحية الجزائية، المسؤولية شخصية، ولا يجوز أن يُسجن الأب لأن ابنه ارتكب جريمة. لكن بين تحميل الأب جريمة ابنه وبين إعفائه تمامًا من كل التزام تجاه مسار خطر كان يعلم به، توجد مساحة تستحق النقاش. فحتى القانون التونسي لا يجعل بلوغ الثامنة عشرة نهاية لكل أثر عائلي؛ إذ ينص الفصل 46 من مجلة الأحوال الشخصية على استمرار النفقة بعد سن الرشد إلى نهاية الدراسة، بشرط ألا يتجاوز الابن الخامسة والعشرين. كما يعرف القانون أصلًا مسؤولية الأبوين المدنية عن الفعل الضار الصادر عن الطفل المقيم معهما، مع إمكان دفعها بإثبات المراقبة اللازمة أو خطأ المتضرر.

ومن هنا يمكن طرح حل قابل للنقاش: مسؤولية مالية مدنية مخصوصة ومقيدة للأولياء عن بعض الأفعال الخطرة لأبنائهم إلى سن الثالثة والعشرين مثلًا، متى ثبت أنهم كانوا يعلمون بحالة تمرد خطرة أو انحراف متصاعد ولم يتخذوا إجراءً معقولًا للوقاية أو الإبلاغ. لا أتحدث عن سجن الأب مكان ابنه، ولا عن معاقبة الأم على فعل لم ترتكبه، بل عن ربط المسؤولية بالتقصير الشخصي للولي نفسه.

فإذا قال الأب: ابني في التاسعة عشرة، لم يعد يسمع كلامي، وربما أصبحت أخاف منه، فلا يجوز أن نطلب منه المستحيل. لكن يمكن للدولة أن تقول له: إذا انتهت قدرتك على التأطير، فأعلمنا. لا ليشتكي بابنه أو يطلب سجنه، وإنما بإبلاغ وقائي إلى جهة اجتماعية أو أسرية مختصة، تُقيّم الحالة وتتدخل نفسيًا أو اجتماعيًا أو أمنيًا بحسب درجة الخطر. وبذلك يكون الأب قد أعلن رسميًا أن قدرته انتهت، وطلب من المجتمع المنظم أن يتدخل.

أما أن تعرف الأسرة أن الابن ينحدر تدريجيًا إلى العنف، وأنه أصبح خارج السيطرة، ثم تصمت، وبعد وقوع الجريمة يكون الجواب: هو كبير، اش دخلني فيه؟، فهنا يصبح السؤال عن التقصير مشروعًا. والفكرة، بتعبير مبسط، هي أن نلبس الابن عقل أبيه فترة أطول: إما أن يبقى الولي متابعًا، وإما أن يطلب تدخل الدولة عندما يعجز.

لكن تحميل الأسرة وحدها المسؤولية سيكون خطأ آخر؛ لأن الدولة أيضًا تربي، لا داخل البيت وإنما بالقانون والمؤسسات والردع. عندما يعتاد شاب أن يشتم ولا يحدث شيء، ثم يهدد ولا يحدث شيء، ثم يعتدي اعتداء بسيطًا ولا يواجه أثرًا جديًا، يتعلم تدريجيًا أن حدود الممنوع قابلة للاختبار. المجرم لا يحتاج دائمًا إلى من يشجعه؛ أحيانًا يكفيه أن يكتشف أن المجتمع لا يردعه.

ولهذا تحتاج الجرائم التي اعتدنا وصفها بالصغيرة، كالسب والشتم والتهديد والتحرش والعنف البسيط، إلى مراجعة في فلسفة الردع. ليس الحل أن نملأ السجون بسبب كل شتيمة، وإنما أن تكون هناك عقوبات وتعويضات مالية متناسبة لكنها محسوسة، تجعل المعتدي يسأل نفسه قبل أن يهدد شخصًا أو يرفع يده عليه: هل يستحق هذا الفعل أن أخسر بسببه جزءًا حقيقيًا من مالي قد يبقى اثره كامل حياتي؟

وقد تغيرت وسائل الإثبات أيضًا؛ فكثير من الوقائع تترك اليوم آثارًا رقمية في الرسائل والتسجيلات والكاميرات والمحادثات، وهو ما يمكن أن يجعل إثبات بعض الاعتداءات أسهل من زمن كان يعتمد فيه الملف أساسًا على الشهادة المباشرة. وهذا لا يلغي شروط الإثبات أو حق الدفاع، لكنه يفتح المجال أمام ردع أسرع وتعويض أكثر فعالية للضحايا، والفكرة هي ان نعوض العقوبات السالبة للحرية التي قد لا تنطبق قانونا على الاب الي عقوبات سالبة لمالية بسبب تقصيره في التربية والمتابعة او عدم اعلام الدولة بالتدخل.

غير أن الأسرة والقانون الجزائي ليسا سوى جزء من دائرة أكبر. فالعدالة والأمن لا يعملان في فراغ. المؤسسات الفعالة، وفق مقاربة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تحتاج إلى أن تكون مستجيبة وخاضعة للمساءلة وجديرة بالثقة، كما أن الوصول إلى العدالة والأمن يرتبط بالثقة وبقدرة الناس على اللجوء إلى المؤسسات والشعور بأنها عادلة وقادرة على حمايتهم.

ومن هنا تأتي عبارة اغتصاب السلطة بوصفها استعارة أوسع من سلطة الدولة وحدها. فهي لا تعني فقط أن تنفصل السلطة العامة عن منطق القانون والرقابة والمساءلة، بل يمكن أن تبدأ أيضًا داخل الأسرة عندما تُغتصب سلطة الأب أو الأم بمعنى أن تُفرَّغ من وظيفتها ومسؤوليتها، فيصبح الأب حاضرًا بالاسم وغائبًا بالفعل: لا متابعة، ولا قرار، ولا تأطير، ولا قدرة على التدخل. وقد يكون ذلك نتيجة إهمال منه، أو ضعف في شخصيته، أو تخلٍّ عن مسؤوليته، أو عجز حقيقي تجاوز قدرته. والفرق بين هذه الحالات جوهري؛ فالعاجز الذي يطلب المساعدة ليس كمن يهمل ثم يتنصل. ومن هنا تصبح مساءلة الأب عن تقصيره هو مشروعة، لا مساءلته عن جريمة ابنه لمجرد رابطة الأبوة.

وبالمعنى نفسه، فإن اغتصاب السلطة العامة لا يعني المساواة بين نزاع على السلطة وجريمة الاعتداء الجنسي؛ فالمقصود أن السلطة عندما تنفصل عن القانون، فإن أول ما يتضرر ليس خصومها فقط، بل قيمة القانون نفسها. فحين يرى المواطن أن القواعد يمكن تجاوزها من الأعلى، يصعب أن تقنعه في الأسفل بأن احترامها واجب مطلق. وحين تفقد الأسرة في الداخل سلطتها التربوية، سواء بالإهمال أو العجز أو التخلي، يصبح الفراغ داخل البيت جزءًا من الفراغ الأكبر الذي قد يجد فيه الانحراف طريقه.

وحين تهتز الثقة في القانون، تهتز معها العدالة. والعدالة ليست حكمًا يصدر بعد الجريمة فقط؛ هي أيضًا شعور الضحية بأنها تستطيع أن تشتكي، وشعور المواطن بأن التبليغ له معنى، وشعور المعتدي بأن الوصول إليه ممكن. وتشدد المقاربات الحديثة للعدالة والأمن على أن الثقة والإنصاف والمساءلة عناصر أساسية في شرعية المؤسسات وقدرتها على أداء وظيفتها.

ثم يأتي الأمن. وليس الأمن مجرد دورية أو مركز شرطة. الأمن الحقيقي يبدأ عندما لا يصبح الحي الفقير منطقة لا تتذكرها الدولة إلا بعد وقوع الجريمة، وعندما لا يترك الشاب الهش وحده بين المخدرات والعنف والتسرب، وعندما تعرف الأسرة أين تذهب إذا عجزت عن السيطرة، ويعرف الجار أن بلاغه سيؤخذ بجدية، وتشعر الضحية بأن الدولة ستقف معها لا أنها ستتركها وحدها أمام المعتدي.

التهميش ليس عذرًا للجريمة. والفقر لا يصنع مجرمًا بالضرورة، والبطالة لا تبرر اعتداءً على فتاة. لكن الدولة الجادة لا تنتظر الظروف السيئة حتى تنتج أسوأ نتائجها ثم ترسل الأمن والقاضي. وظيفتها أن ترى مؤشرات الخطر قبل أن تصبح ملفًا جنائيًا.

وحين يضعف كل ذلك، نصل إلى اللحظة الأخطر: يطمئن المجرم. لا يحتاج المجرم إلى قراءة المجلة الجزائية؛ يكفيه أحيانًا أن يقرأ الشارع. يرى أن الناس يخافون من التبليغ، وأن الضحية قد تصمت، وأن الاعتداءات الصغيرة تمر، وأن المجتمع اعتاد الفوضى. عندها يشعر بأن كلفة الجريمة منخفضة.

وهنا قد تأتي الحلقة الأخيرة: تُغتصب الفتاة.

فتستيقظ الأسرة، ويستيقظ الأمن، ويستيقظ الإعلام والمجتمع، وتبدأ الأسئلة: من فعل؟ كيف وقع الاعتداء؟ أين كانت الأسرة؟ أين كان الأمن؟ ولماذا لم ينتبه أحد؟

لكن السؤال الذي ينبغي ألا يضيع هو: كم حلقة سبقت هذه الحلقة؟

كم شتيمة مرّت بلا ردع؟ كم تهديدًا اعتبرناه حكاية صغار؟ كم ابنًا خرج من سيطرة أسرته ولم تجد الأسرة جهة تلجأ إليها؟ كم أبًا فقد سلطته داخل بيته ولم يطلب تدخلًا، أو اختار منذ البداية ألا يمارس مسؤوليته؟ كم حيًا اعتدنا تهميشه؟ كم مرة انتظر القانون الجريمة الكبيرة بدل أن يعالج مقدماتها؟ وكم مرة طالبنا المواطن باحترام القانون من دون أن نجعله يشعر بالقوة نفسها بأن القانون يحميه؟

هذه الأسئلة لا تعفي المجرم من مسؤوليته، ولا تحمل الأب جريمة ابنه، ولا تجعل الدولة مسؤولة مباشرة عن كل فعل فردي. لكنها تعيد توزيع المسؤولية في مكانها الصحيح: الأسرة تربي وتراقب، فإذا عجزت تبلغ. والأب يمارس سلطته بوصفها مسؤولية لا امتيازًا، فإذا أهملها أو تخلى عنها مع علمه بالخطر أصبح تقصيره هو محل السؤال. والدولة تتدخل قبل الكارثة لا بعدها فقط. والقانون يردع الأفعال الصغيرة قبل أن تتحول إلى ثقافة. والعدالة تنصف وتمنع الإفلات من المساءلة. والأمن يبني الثقة مع المجتمع بدل أن يلتقي به فقط بعد وقوع الجريمة.

المسؤولية دائرة متصلة، والجريمة الكبرى لا تبدأ دائمًا كبيرة؛ نحن أحيانًا من نسمح لها بأن تكبر.

لذلك ربما ينبغي أن يتغير السؤال. لا يكفي بعد كل كارثة أن نسأل: من المجرم وكيف نعاقبه؟ بل يجب أن نسأل قبلها: من كان يستطيع أن يمنع صناعة هذا المجرم، أو يوقف مساره في إحدى مراحله، ولم يفعل؟

فلكل جريمة مرتكب يجب أن يحاسب، لكن لبعض الجرائم جذور يجب أن تُعالج.

وعندما تُنتزع السلطة من منطق القانون، تضعف العدالة؛ وحين تُفرَّغ سلطة الأسرة من مسؤوليتها، يتسع الفراغ داخل البيت؛ وحين تضعف العدالة، يتراجع الأمن والثقة؛ وحين يُهمَّش المجتمع، تتسع مساحة الصمت؛ وحين تفشل الأسرة في التأطير ولا تجد أو لا تطلب التدخل، وتفشل الدولة في الوقاية والردع، يطمئن المجرم.

وعندها قد لا تكون الدولة قد تأخرت عن الجريمة ساعات.

قد تكون قد تأخرت سنوات.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات