أزمة الماء والكهرباء في تونس: عندما يصبح العجز عن تأمين الحياة أخطر من الحرب

كلنا رأينا كيف عصفت موجة الإرهاب، بين سنتي 2013 و2018، بالقطاع السياحي التونسي. ومع ذلك، بقيت ثقة المواطن والسائح والمستثمر في الدولة قائمة، لأن الخطر كان واضحا والدولة كانت تواجهه وتحاربه. أما انقطاع الماء والكهرباء وتعطل الخدمات الحيوية في زمن السلم، فلا يصنع أزمة خدمات فحسب، بل يصنع أزمة ثقة في الدولة نفسها؛ إذ تصبح الخسارة الأعمق هي تدمير ما يسمى برأس المال غير الملموس، وفي مقدمته سمعة الوجهة التونسية والثقة في قدرة الدولة. وهنا يبدأ القلق الحقيقي: حين لا يعود الخوف من أزمة تواجهها الدولة، بل من ازمة تصنعها الدولة ثم تطبع معها عاجزة عن ضمان أبسط مقومات الحياة.

لم تعد أزمة انقطاع الماء والكهرباء في تونس مجرد حديث يومي في المقاهي وصفحات التواصل الاجتماعي، ولا يمكن اختزالها في جدل سياسي عقيم بين من يبرر ومن يتهم. فما نعيشه اليوم تجاوز حدود الإزعاج اليومي والاحتقان الشعبي، ليضرب في العمق ما هو أخطر: بنية الاقتصاد الوطني، وسمعة الدولة، وثقة السائح والمستثمر في قدرتها على ضمان أبسط شروط الحياة واستمرارية النشاط.

وتكمن خطورة الأزمة في أنها بلغت ذروتها خلال الموسم السياحي، في وقت يتنفس فيه الاقتصاد التونسي من السياحة وما توفره من عملة صعبة ومواطن شغل وحركة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة. فالسياحة ليست مجرد أرقام للوافدين أو ليال مقضاة بالنزل، بل هي مورد أساسي للعملة الأجنبية، ومصدر رزق لمئات الآلاف من التونسيين، وواجهة تعكس صورة البلاد في الخارج. وحين ينقطع الماء والكهرباء في عز شهر جويلية وأوت، فنحن لا نزعج السائح فقط، بل نضرب الموسم السياحي في واحدة من أكثر نقاطه حساسية.

وقد بلغت عائدات السياحة التونسية 4.718 مليارات دينار إلى حدود العاشر من أوت 2026، وفق بيانات البنك المركزي التونسي، وهو ما يكشف حجم الرهان الاقتصادي الذي تضعه البلاد على هذا القطاع. غير أن صدى الأزمة تجاوز الحدود، حتى أدرجت فرنسا مخاطر انقطاع الكهرباء واضطراب التزود بالماء ضمن إرشادات السفر إلى تونس، فيما حدثت بريطانيا إرشاداتها لتشمل وضع إمدادات الطاقة خلال أشهر الصيف. وهنا لم تعد المشكلة شأنا داخليا، بل أصبحت جزءا من الصورة التي يطلع عليها السائح قبل أن يحجز تذكرته أو يختار وجهته.

وهنا يكمن الفارق الجوهري والخطير.

إن الأزمات الكبرى التي تتعرض لها الدول عادة ما تكون مرتبطة بقوة قاهرة واضحة ومحددة: حرب، أو زلزال، أو جائحة. وهذه الأزمات، رغم قسوتها وما تخلفه من خسائر، تبقى قابلة للفهم والتجاوز في ذهن السائح والمستثمر. فالسائح الذي يلغي سفره بسبب حرب يمكن أن يعود بمجرد انتهائها، لأنه يعلم أن السبب كان استثنائيا وقد زال. والمستثمر الذي يؤجل مشروعه بسبب زلزال يمكن أن يعيد النظر في قراره عندما تستقر الأوضاع وتبدأ عملية إعادة البناء.

أما أزمتنا اليوم، فهي ليست ناتجة عن قوة قاهرة خارجية، بل عن عجز داخلي عن ضمان استمرارية أبسط عنصرين تقوم عليهما الحياة وجميع أشكال النشاط الاقتصادي: الماء والكهرباء. وهنا يطرح السؤال المرعب نفسه: كيف سيقتنع السائح بالعودة؟ وكيف سيطمئن المستثمر إلى وضع أمواله في بلد لا يضمن استمرار التيار الكهربائي في مصنعه أو تدفق الماء في نزله؟

يستطيع السائح أو المستثمر أن يتأكد في لحظة، ومن خلال نشرة أخبار واحدة، هل توجد حرب في بلد ما أم لا، ثم يتخذ قراره بالعودة بعد انتهائها. لكنه لا يستطيع، وهو في بلده، أن يعرف هل سينقطع عنه الماء وهو يستحم داخل نزل في سوسة، أو هل سيتوقف التيار الكهربائي وهو داخل مصعد، أو في غرفة عمليات، أو أثناء تشغيل خط إنتاج داخل مصنع.

هذا اللايقين هو الأخطر، لأن الخطر هنا ليس حادثا لحظيا ينتهي بانتهاء سببه، بل احتمال متكرر يصعب قياسه أو توقعه.

ومن زاوية الاقتصاد والمالية، لا تقاس الخسارة الحقيقية بفاتورة المولد الكهربائي أو بكلفة تشغيله، فهذه خسائر مباشرة يمكن احتسابها والتعامل معها. أما الخسارة الأعمق فهي تدمير ما يسمى برأس المال غير الملموس، وفي مقدمته سمعة الوجهة التونسية والثقة في قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها. فالسائح الذي عاش تجربة الانقطاعات المتكررة قد لا يعود مرة أخرى، ولن يغادر بتجربته وحدها، بل قد يكتب تقييما سلبيا يقرؤه آلاف السياح المحتملين قبل اتخاذ قرار السفر. وهكذا تتحول ساعات محدودة من الانقطاع إلى خسارة سياحية ممتدة، ويصبح الصدى الاقتصادي للأزمة أخطر وأطول من الأزمة نفسها.

وحين تصبح الانقطاعات جزءا من التجربة اليومية للسائح والمواطن والمؤسسة، فإن ذلك يكون بمثابة إعلان رسمي، وإن لم يكتب في أي بلاغ، عن دخول البلاد مرحلة جديدة من هشاشة الدولة الخدماتية، بتداعيات اقتصادية قد تكون أعمق وأطول من الأزمة السياسية نفسها.

كما أن المستثمر لا يدرس فقط قيمة الضرائب والأجور وأسعار العقارات، بل يحسب أيضا كلفة الانقطاع، وكلفة المولدات الاحتياطية، وتوقف خطوط الإنتاج، وتلف المواد، وتأخر التسليم، وخسارة الحرفاء. وكل ساعة انقطاع تتحول في النهاية إلى رقم إضافي داخل دراسة الجدوى، وإلى سبب قد يدفعه إلى تقليص استثماره أو نقله إلى بلد آخر أكثر استقرارا.

وقد ذكّرت الحرب الأمريكية الإيرانية الجارية وما خلفته من اضطرابات في المنطقة بأن قوة الدولة لا تقاس بقدرتها على منع جميع الأزمات، فهذا أمر قد يكون مستحيلا، بل بقدرتها على ضمان استمرارية الخدمات الأساسية عندما تقع الأزمة. ففي الأزمات الكبرى لا تكفي خطابات الطمأنة، بل تختبر الدولة من خلال جاهزية خطط الطوارئ، وتوفر المولدات والاحتياطيات التشغيلية، وقدرة خلايا الأزمة على العمل على مدار الساعة، حتى تصل إلى المواطن والعالم رسالة واضحة: نحن قادرون على تأمين ضروريات الحياة مهما كانت الظروف.

صحيح أن لكل دولة إمكانياتها الاقتصادية وحدودها المالية، لكن لكل دولة أيضا إمكانياتها الفكرية والإدارية وقدرتها على الاستشراف والتخطيط. وقد يفسر ضعف الموارد بطء الحل، لكنه لا يمكن أن يبرر غياب الخطة، أو سوء التواصل، أو ترك المواطن والسائح والمستثمر في مواجهة المجهول.

إن ما حدث في تونس من انقطاع للماء والكهرباء لساعات طويلة قد يكون صداه على الاقتصاد أخطر وأطول من صدى الحرب. فالحرب قد تدمر طريقا أو محطة، لكنها تبقي على صورة الدولة التي تواجه قوة قاهرة وتستعد لإعادة البناء. أما العجز المتكرر عن توفير الماء والكهرباء في زمن السلم، فهو يدمر الثقة في قدرة الدولة على تشغيل ما لم تدمره الحرب أصلا، ويضرب صورتها باعتبارها مؤتمنة على انتظام الحياة اليومية.

واستمرار هذا الوضع من دون معالجة جذرية وشفافة لن يؤدي فقط إلى تراجع السياحة، بل قد يرفع كلفة الاستثمار، ويدفع بعض المستثمرين إلى المغادرة أو التردد في دخول السوق التونسية، ويضعف ثقة التونسيين أنفسهم في اقتصادهم. والنتيجة ستكون مزيدا من الضغط على موارد العملة الأجنبية وعلى الدينار، واتساع دائرة الأضرار الاقتصادية والاجتماعية وسيبدأ الدينار في الانهار.

لذلك، إذا أردنا إنقاذ ما تبقى من رأس مال الدولة وهي الثقة في قدرتها على احتواء الازمة وإعادة بناء صورة تونس، فعلينا أن نسارع اليوم قبل الغد إلى احتواء هذه الأزمة، لا من خلال إصلاح الأعطاب التقنية فقط، بل أيضا من خلال معالجة صداها الداخلي والخارجي.

والمطلوب هو مصارحة اقتصادية واضحة، وخطة طوارئ معلنة بالأرقام والآجال والمسؤوليات، مع تحديد المنشآت التي يجب أن تحظى بالأولوية، وفي مقدمتها المستشفيات والنزل والمناطق الصناعية والمنشآت الحيوية. كما يجب توفير وسائل التدخل السريع، ووضع برامج معلنة للانقطاعات الاضطرارية كلما أمكن ذلك، وإطلاع المواطن والمؤسسات على حقيقة الوضع بدل ترك المجال للإشاعة والخوف. فالمصارحة لا تضعف الدولة؛ الغموض هو الذي يضعفها.

تونس اليوم لا تحتاج فقط إلى عودة الماء والتيار الكهربائي، بل تحتاج أيضا إلى عودة اليقين والثقة في أن ما عاد اليوم لن ينقطع غدا. فالاقتصاد لا يعيش على توفر الموارد في اللحظة الراهنة فقط، بل على الثقة في استمرارها.

فمن دون ماء وكهرباء، لا سياحة، ولا استثمار، ولا اقتصاد..

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات