إنه إنموذج يسير حتما نحو الانهيار

ليس من باب التشاؤم، لقد وضعت حرب "ضوء الستاغ" أوزارها، لكن هي نتيجة ستتلوها عدة نتائج مماثلة في كل المؤسسات العمومية لمقدمات يعرفها الجميع: عجز الدولة ومؤسساتها عن الوفاء بكلفة إدارة الدولة وتراكم العجز في الميزانية،

- الكنام في عجزها عن خلاص الصيدليات وأصحاب الخدمات الصحية، عجز المؤسسات الصحية العمومية كلها، لن تقصر الدولة في خلاص أجور العاملين حتى بالقروض الداخلية لكنها لن تضمن خلاص شركاء الصحة من الخواص أو وارداتها من الخارج،

- ديون شركات النقل العمومي وأزماتها؟ الخطوط التونسية حيث 315 موظفا بأجور جيدة لكل طائرة مقارنة بالمعدل العالمي 90 موظفا للطائرة، إلى متى ستنتزع الدولة من اللحم الحي للضرائب التي تزداد فحشا لهدر المال بدل إصلاحها؟

- شركات الطاقة والكهرباء، من إيتاب وستير وعجيل وصولا إلى الستاغ، ربما هي الأكبر حجما بسبب فارق الكلفة وسعر البيع للعموم وعجز الدولة عن سداد الفارق، أيضا حوكمة هذه المؤسسات من البيروقراطية والفساد،

- شركة الماء وحدها معضلة تضاف إليها مشاكل ديوان التطهير، ليس فقط بسبب ديونهما وتهالك شبكاتهما، بل خصوصا بسبب الاستثمارات الضرورية لكي نوفر ماء الشرب في المستقبل في مؤسسة تعاني من الفشل في إقناع المقاولين بالعمل معها "إلى أن يسهل ربي ويطيح الصرف"،

- ديوان الحبوب ومنظومة الدعم على المواد الغذائية في بلد لم ينجح ولم تساعده الطبيعة على إنتاج أكثر من ثلث استهلاكه من الحبوب دون اعتبار توريد الزيوت النباتية والأعلاف…

إنه إنموذج يسير حتما نحو الانهيار، أعرف أن مثل هذه القائمة القصيرة تثير الأسى، لكن ثمة حلول واضحة، لسنا الأسوأ في التصرف العمومي. كل الحلول موجعة وتتطلب تضحيات لكن الناس لا يضحون إلا إذا كانوا شركاء محترمين في السلطة وبرامجها ومقتنعين بها ويرون أن الدولة أول من يقدم تضحيات بالضغط على مصاريفها، المخيف هو عدم توقع تضحيات لأن "العقد الاجتماعي" بين الناس والدولة ينهار، تراه فاضحا في كسر القوانين ورمي الزبالة في الطريق العام والاستهتار والتهور، في ازدراء الدولة، هل أن الذي استولى على كامل الرصيف ومأوى السيارات وجزءا من المعبد يؤمن بالتضحية لأجل إنقاذ الدولة؟ نحن نعرف أنه "واصل"، يدفع لأعوان الدولة البيروقراطية مقابل الحماية من القانون، كلنا نعرف أن التضحيات الموجعة ستكون على حساب الفقراء وذوي الأجور البسيطة في سباق مجنون للترفيع في الأسعار وكلفة الحياة لكي تصبح البطاطا بثلاثة ألاف ترمي نصفها لفساده،

كل الحلول تبدأ بالإقرار بسوء التصرف في الدولة وفي المؤسسات العمومية وتعيين المسؤولين عليها على الولاء وطلب السلام والهدوء بدل عقود الأهداف بمعالجة المشاكل الأصلية، وهي عندها اسم كبير واضح: "الإدارة البيروقراطية" التي ما تزال متشبثة بالانغلاق والمنع والتراخيص واللجان والبيروقراطية والتدخل الفاحش وتجريم التفكير والإبداع وحرمانه من التمويل وحتى من العمل مع الخارج في سباق محموم للحفاظ على مصالح اللوبيات الكبيرة للانفراد بالسوق بما أطلق غول الاحتكار والفساد والارتشاء وفساد الموظفين،

لكي تشتري قنطار علف لخرفانك، يجب أن تدفع رشوة لأن شخصا موظفا عموميا عنده "رخصة" أعلاف، لأن الوطن الكئيب يفشل في توفير العلف للحيوانات فما بالك بالبشر، كتب محامي أعمال هنا أن إدارة عمومية طالبت حريفه وهو مستثمر بريطاني بوثائق حول شرعية أمواله في بريطانيا، يعني الإدارة التونسية أكثر حرصا من بريطانيا على اقتصادها، أعتقد أن 100 أورو كانت كافية لتجاوز ذلك، تماما كما في كل نظام اقتصادي تحكمه تراخيص الدولة والبيروقراطية، حيث الجنرالات أكثر من العسكر في حروب مزيفة.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات