التيارات الفكرية السياسية/ الايديولوجية التونسية/العربية الكبرى.. ذات أصول سوسيولوجيّة مشتركة:
الماركسيون والقوميون والإسلاميون، قبل تحوّلهم المتأخّر جدا و"الاضطراري" جميعا إلى الديمقراطية والحقوقية الليبراليتان، ينحدرون من أصول اجتماعية فقيرة. فهم في عمومهم أبناء الدواخل الريفية والقروية الفلاحية الفقيرة، أو أبناء الطبقة المدينية الوسطى حديثة الالتحاق بهوامش المدينة بفعل التعليم والتوظيف الحكوميّيْن.
كلهم يشتركون في النشأة الاحتجاجية على الفقر والتفاوت الاجتماعي..، ومن ثم، آليّا، على الدولة/السلطة التي كانت بالنسبة للماركسيين أداة بيد الطبقة البرجوازية الرأسمالية المالكة لوسائل الإنتاج، وبالنسبة للإسلاميين بيد المستكبرين (التحالف بين فرعون=الحكم وقارون=المال)، أما القوميون(البعث خاصة وحتى الناصريين "الاشتراكيين") فقد تبنوا عموما الرؤية الماركسية للصراع الاجتماعي.
من منطلق التجربة الذاتية، أذكر أننا كنا في المرحلة التلمذية مجموعات شباب/أو أطفال كبار متناحرين ايديولوجيا إلى حد العنف الجسدي رغم اشتراكنا جميعا في حالة الفقر والبؤس وانحدارنا كلنا من نفس الوسط الاجتماعي القروي شبه الفلاحي المطحون ماديا!
ثم نقلنا انقسامنا السياسي/الايديولوجي "التافه" معنا إلى الجامعة، لينضمّ إلى مجموعاتنا القادمة من الدواخل أشباهنا من فقراء المدينة القادمين من الأحياء الشعبية!
مع الزمن، احتاج الاحتجاج الاجتماعي التلقائي إلى تبرير فكري.. وسرعان ما تحول بفعل هذا التبرير إلى حلم/يوتوبيا! يوتوبيا المجتمع الشيوعي اللاطبقي ودولة الوحدة الاشتراكية والمجتمع المسلم الذي لا فقر فيه! وتعمّقت خنادق الوهم الفاصلة بين "أبناء الفقر الواحد".. ورغم أن أغلبهم انتقلوا من طبقة الفقراء إلى طبقة البرجوازية المدينية الصغيرة، فقد حوّلتهم يوتوبيا الوهم إلى معسكرات ايديولوجية متناحرة وجوديا.. ونسوا أصولهم المشتركة الأولى.. كما ينسى أهل الدولة الخلدونية في المرحلة الترفيّة عصبيتهم الدموية/القبليّة الأولى التي جعلت منهم قوة منتصرة!
غادروا، في عمومهم، فقرهم المادي.. وانتشروا في النقابات والإدارات وفي مؤسسات الإعلام و"الكلام".. وفي أجهزة الدولة (بالنسبة للماركسيين والقوميين فقط.. إذ اتخذت الدولة من الإسلاميين، بعد مرحلة "الجماعة الدعوية" وتبلور هويتهم السياسية، هدفا دائما للقمع والتنكيل لأسباب معقدة ليس هذا مجال التفصيل فيها)، وحملوا معهم هوياتهم الطوباوية/الوهمية المتناقضة، لا جذورهم الاجتماعية "المشتركة ".
تدريجيا، وبصفة اضطرارية أملتها المواجهات التي خاضتها كل هذه التيارات بدرجات متفاوتة مع جهاز الدولة، تحولت هذه التيارات قبل ثورة 2011 إلى ساحة "الديمقراطية وحقوق الإنسان"!
ولكن امتحان الانتقال سرعان ما أعادها إلى عصبيّاتها الهووية التي لا تعترف بحق غيرها في الوجود: الماركسيون والقوميون يعتبرون الإسلاميين إرهابيين. والإسلاميون يعتبرونهم معادين لهوية الشعب المسلم!
المحصلة: الديمقراطية بهذه التيارات مشروع مستحيل!
هم الذين أنتجوا كل شروط الانقلاب! وهم الذين ينتجون كل شروط استمراره!
والحل؟
تبا.