من واجب التاريخ "الكلب" أن يذكر اسم جوهر بن مبارك بالذات وتحديدا…

الآن، في سياق تونسي موبوء تتحلّل فيه كل الأفكار والقيم والمسلّمات والسياسة والأحزاب والدولة واللغة، أشعر بأننا لم نعد مطالبين بالحديث في "القضايا الكبرى" قبل أن نتفق حول قضايانا الصغيرة! وأن الواجب الأكبر والأولى والأساس الذي تقتضيه الأخلاق والدين والمدنية والإنسانية والعقل والعُرف هو التذكير اليومي بأسماء "المعذّبين في هذه البلاد".. وأوّلهم جوهر بن مبارك.. نعم جوهر تحديدا...!

جوهر، بين لحظة وأخرى، يمكن أن يفقد حياته. فهو الآن، ومنذ عشرة أيام يخوض إضراب جوع للمرة الثانية في ظرف أشهر قليلة! إذ سبق له أن خاض منذ ثلاثة أشهر فقط إضرابا عن الطعام لمدة 33 يوما، خرج منه بجسد منهك عليل وبأمراض كثيرة تهدد حياته رغم أنه يُعتبر في أواخر شبابه أو بدايات كهولته (عمره 57 سنة).

جوهر سيرة سياسية استثنائية في مشهد تونسي ستاتيكي يكتسب فيه السياسيون هويات ايديولوجية نهائية مغلقة مرة والى الأبد! جوهر يحمل إرثا عائليا يساريا كبيرا، فهو ابن عز الدين الحزقي سجين السبعينات في حركة آفاق. وهو ناشط طلابي يساري بارز وناطق باسم فصيل ماركسي. حافظ على يساريته الحركيّة بعد الجامعة لسنوات طويلة وكان من أبرز معارضي التيار الإسلامي الذي قاد، أو شارك من موقع قيادي، تجربة الحكم بعد الثورة. ورغم هذا الإرث اليساري الثقيل استطاع جوهر في اللحظة المناسبة تماما، لحظة إسقاط الديمقراطية يوم 25 جويلية، أن يفهم بوضوح طبيعة الحدث وأن يتحوّل إلى "قدّيس ديمقراطية" فقط.

قفز على التزامه اليساري التاريخي الطويل وخصومته الايديولوجية مع الإسلاميين، وعلى تشكيك الإسلاميين في صدق نواياه الديمقراطية، وتقدم، كيساريّ وحيد، ليشارك ديمقراطيين حقيقيين آخرين في تأسيس "مواطنون ضد الانقلاب" يوم كان الجميع تائهين عاجزين عن تحديد طبيعة 25 ومقتضيات المرحلة!

فعل ذلك.. فكرهه تياره اليساري الذي أمضى فيه عمره وتعرّض إلى حملات تشويه وتسفيه وتتفيه من طرف رفاق الأمس. ولم ينس الإسلاميون تاريخه معهم ، إلا قليلا وعلى مضض! ومع ذلك، استبسل في المطالبة بعودة الديمقراطية ضمن جبهة الخلاص إلى جانب مناضلين سليلي تيارات ايديولوجيا لم تجمعها سابقا سوى الحروب. فكان جوهر بهذا التموقع الجديد أحد مؤسسي "البديل الديمقراطي المابعد ايديولوجي" الذي تحتاجه تونس.

ولهذا السبب تحديدا حوكم بعشرين سنة سجنا كاملة، أي تقريبا مدى الحياة، لأنه يمثل النموذج الذي يجب أن يوؤد في الرحم حتى لا تصير الديمقراطية، كعقد اجتماع سياسي إنساني راقٍ يدير التمايزات الفكرية سلميا، عقيدة النخب والناس!

جوهر إنسان تونسي ديناميكي استفاد جدا من تجاربه السياسية.. ليصير أحد قدّيسي/أخلاقيّي الديمقراطية القلائل في تونس.

نسيانه جريمة.. تبا.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات