للمرة الثانية يجرّب عبد الحميد الجلاصي شعور الفقد وهو داخل زنزانة..

مات والده وهو في السجن وتموت والدته وهو في السجن أيضا .. تغيّرت عناوين الاستبداد و الأسباب التي زجّت به في الزنازين مرّة أخرى. ولكن في التجربتين كان الألم ذاته.. أو كان ما يفوق الألم !

وما يفوق الألم هو أن يأتي خبر موت من تنتمي اليهم بتلك الطريقة.. يقف أحدهم أمامك، يطلب منك أن تتماسك، ثم يلقي بكلماته بسرعة وكأنه يريد أن ينهي الموقف برمّته، قد يكون سجّانك عطوفا، تغلبه إنسانيته، فيربّت على كتفك في لحظة حنان هاربة من الضوابط الصارمة من أجل مواساتك !

ولكن أي كلمات يمكن أن تواسي مكلوما في زنزانة..

تواسي رجلا فقد أمّه وأباه قبلها دون أن يُمنح فرصة النظرة الأخيرة و القبلة الأخيرة على ذلك الجبين بارد.. نحن لا نصدّق الموت إلا عندما نشعر بالبرد ونحن نلمس أجساد الراحلين.. لم يصرخ عبد الحميد تلك الصرخة الأخيرة وأنت تتشبّت بيد من رحل في لحظة تمرّد إنساني على القدر..

هذا الوطن لم يمنح عبد الحميد حتى مساحة صغيرة من الحرية تجعله يحمل نعش والده ووالدته و يتقبّل عزائهما.. جعله فقط يقف وحيدا في الغياب، مكتفيا بضمّ الذكريات الى صدره.. ذكرياته مع والده ووالدته..

من لم يجرّب ذلك الفقدان ولم يكلم في الأب أو الأم لا يمكن أن يشعر كيف تجثو الروح في المصاب وهي تتلوّى بما يفوق الألم..

فتخيّل لو عشت كل ذلك لوحدك في زنزانة باردة بأجنحة مكسورة لا تستطيع التحليق بعيدا عن تلك الجدران التي تُركت لتختنق داخلها من أجل لا شيء..

منذ الصباح وأنا أحاول أن أستوعب الفكرة.. أستوعب المأساة كما عاشها ويعيشها عبد الحميد الجلاصي.. أتخيّل شكل ألمه و لكن عقلي يصل الى نقطة يعجز بعدها عن استيعاب كيف يمكن أن يشعر من فقد أمه وهو في السجن ..

تعود الى ذاكرتي بعض الأسطر من كتابه "اليد الصغيرة.. لا تكذب".. أبحث فيه عن شكل الألم كما تسرّب من كلمات صاحبه وهو ينكأ الجراح القديمة التي شفيت تحت الجلد فقط ولم تشف في عمق الجرح. وها نحن نرى اليوم فداحة أن تبقى جراح الماضي حيّة في عمقها !!

كان اليوم عبد الحميد الجلاصي يحتاج لتلك "اليد الصغيرة" التي كانت تلوّح له مبتعدة بعد كل زيارة في سجنه..

كان يحتاج أن يكون حرّا ليعيش ألمه بشكل لائق !

لكن في محنة عبد الحميد الجلاصي العابرة للمراحل كُتب عليه أن يعيش حتى ألمه بشكل مؤجّل.. وأن لا يقف على قبري والديه إلا بعد أن يجفّ ترابهما.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات