اليسار التونسي والاستقطاب الدستوري -النهضاوي : تدوينة نفسيّة -سياسية نقديّة

مقدمة :

سأتحدث هنا عن الحداثي-اليساري كمثال فقط -اذ بالإمكان الحديث أيضا بنفس الطريقة عن غيره من الحداثيين وبالتحديد في الوسط السياسي - لأنّي نصير ليسار الوطن و الفقراء ويهمني أمره أكثر من غيره من أشكال الحداثة. وما يهمّني هنا هو تقديم شبكة لنقد نموذج من الحداثيين اليساريين السلبيين الذين قد لا يمثلون أغلبية عددية، ولكنهم يمثلون مع ذلك أقلية فاعلة تواصليّا واعلاميّا ومشوشة سياسيا على اليسار تحديدا . و الحداثي-اليساري السلبي و غير المرغوب فيه يساريّا هذا هو مثلا :

1-
اليساري الذي يحترف نقد باقي اليسار بكلّ مكوّناته
و/أو
2-
الذي يحترف نقد البعثيين العراقيين والسوريين
و/أو
3-
الذي يحترف نقد القوميين الناصريين و العصمتيين
و/أو
4-
الذي يحترف نقد التيار الديمقراطي
و/او
5-
الذي يحترف نقد الحزب الجمهوري وأشباهه
و/او
6-
الذي يحترف نقد قيس سعيد وأنصاره
و/او
7-
الذي يحترف نقد الاتحاد العام التونسي للشغل بكلّ قياداته …

ولا يناضل معهم أو مع بعضهم عل الأقلّ …ايا كانت اخطاؤهم ….. ولكنّه ،ويا للمفارقة، نراه في نفس الوقت :

أ - برّر، باسم الدفاع عن الحداثة ضد الاسلاموية المحافظة ، التحالف او التقاطع مع التجّمع الدستوري و برّر التحالف أو التقاطع مع نداء تونس ويبرر اليوم خاصة التحالف أو التقاطع مع الحزب الدستوري الحرّ رغم كونه أكثر حزب حداثي حالي لا يزال يدافع عن -أو على القلّ ينكر وجود - اسوأ ما في الدستورية البورقيبية -البنعلية من تسلط و استبداد وفساد و سرقة و جهوية يضاف اليها كل ما هو مشبوه من العلاقات الاقليمية و الدولية.

…و/أو…

ب - برّر، باسم الدفاع عن الديمقراطية ضدّ الحداثوية المستبدّة ، التحالف أو التقاطع مع النهضة و بعض حلفائها السابقين ويبرر اليوم خاصّة التحالف أو التقاطع مع النهضة و بعض حلفائها الحاليين مثل قلب تونس و ائتلاف الكرامة الذين يعتبرون أسوأ مزيج في تاريخ تونس المعاصر بين الحداثوية و الاسلاموية متكوّن من المحافظة الشكلانية و الفساد و الشعبوية و السطحية و البلطجة مضافة اليها علاقات دولية مافياوية هنا و اجرامية هناك .

هذا الصنف الحداثي -اليساري ( وأغلبيته الآن من أنصار التبرير -أ-) ينقصه حتى وعي الحد الأدنى الضروري ليكون يسارا الآن : الحد الأدنى الوطني الاجتماعي الديمقراطي، الذي يجعل منه - بلغة الفقيد سمير امين- تيارا وطنيا شعبيّا هو ما يجب أن يكون 'هنا والآن' مقياسا للفرز الحداثي- اليساري الأولي في تونس للتمايز عن اليمين القديم و الجديد سياسيا وتنظيميا.

هذا الحداثي -اليساري لا يترك غيره يشتغل ضد اليمين و يحترف التشويش على اليسار وعلى غيره من الحداثيين الوطنيين الاجتماعيين الديمقراطيين رغم أن الانتخابات مازالت تنتظرها أربع سنوات تقريبا.

انّه يمارس 'النضال السياسي المضادّ' المفيد لشقه المفضل من اليمين ضد الحداثيين الآخرين وذلك قبل أربع سنوات من موعد 'التصويت الانتخابي المفيد' في الانتخاب و بعد أن يتظاهر بالبكاء على فشل الحداثيين الانتخابي السابق في 2011 و 2019 خاصّة .

كما انّه لا يقبل حتّى بالصمت قليلا بعد أن فقد هو الأمل الشخصي في عمل شيء ما و يريد أن يجرّ غيره منذ الآن الى اصطفاف سياسي مسبق و لا يستطيع حتى انتظار الانتخابات لممارسة الاصطفاف الانتخابي الذي قد يضطرّ البعض اليه غصبا عنهم كما قد يحدث في التاريخ في الأدوار الثانية من الانتخابات خاصّة .

و مع الأسف ، و المسألة سياسية بالأساس ( ودون مزايدة على أحد شخصيا لأن أقصى ما يمكن أن أقوله عن نفسي هو أنّني " لست لا بطلا ولا مناضلا رغم أنني لم أخن في المنعطفات" كما كتب الأستاذ سليم دولة ذات يوم ) الا أنّها قد تعكس ما يمكن أن نعتبره احباطا أو حتّى 'جبنا سياسيّا ' (وأكرّر: ليس الأمر شخصيّا) من نوع ما ، ولنضحك قليلا، ولكن ضحكا مرّا ؛ يمكن أن ينطبق على بعض هؤلاء قول الشّاعر المجهول :


"أرى أنّي إذا ما الحرب قامت … أرابط خلف ربـّـــات الحجـــال
أحمّس في الوغى أبناء قومي … وأحمي ظهرهم عنـــــد النّزال
فإن ظفروا ظفرت معهم وإن … لم يظفروا فقد دبـّـــرت حالـــي
وفي الهيجاء ما جرّبت نفسي … ولكن في الهزيمة كالــغـــــزال !"

أمّا الحداثيون -اليساريون من غير هذا الصنف المحبط أو ' الجبان' سياسيّا ، و الذين يعرفون بنضاليتهم السياسية، ولكن الفاقدة لبوصلتها اليسارية المستقلة و المتمسكة ببوصلة يسارية حولاء في اتّجاه اليمين ، فلهم قول محمود درويش من قصيدة ''الحزن و الغضب'' :


" قالوا : إبتسمْ لتعيشَ !
فابتسمتْ عيونكَ للطريقْ
وتبرَّأت عيناكَ من قلبٍ يُرَمِّده الحريقْ
وحلفتَ لي : إني سعيدٌ يا رفيقْ !
وقرأتُ فلسفة ابتسامات الرقيقْ :
الخمر، والخضراء ، والجسد الرشيقْ !
فإذا رأيتَ دمي بخمركَ،
كيف تشربُ يا رفيقْ ؟!"

معنويا و سياسيا وتنظيميّا ،اذن، وهذا هو المهمّ ، هؤلاء وأولئك منهزمون مسبّقا برمي المنديل منذ 'بداية المعركة 'ويستعجلون الدوران في فلك غيرهم من هذا الطرف أو ذاك في الاستقطاب الثنائي . وهم يعرقلون ظهور برنامج حدّ أدنى سياسي ثالث ممكن، بل وضروري، و يمنعون غيرهم من أن يعملوا على أن يكونوا قطبا تنظيميا ثالثا يملك خيارا ثالثا يشير الى المستقبل الوطني و الشعبي في نفس الوقت.

انّ من حقّ غير المهزومين نفسيا- سياسيا ألا ينساقوا وراء هذا النوع من اليسار الذي ،في قرارة نفسه، يعرف أنّه يخون 'غريزته' اليسارية و'مكتسبه' اليساري اللذين يقولان له انّه لو أتت الأوامر بالاقتتال أو بالمصالحة بين شقوق اليمين فانهم سيحولون البلد الى حطام كما يحصل لقصر الخزف الذي تتصارع فيه الفيلة، وأنهم سيأتون على الأخضر و اليابس لو تصالحوا كما تبين كل التجارب، وسيضر هذا و ذلك حتى بجماهير فقراء العائلتين الدستورية والنهضاوية.

ان من حق المهزومين و الضعفاء ،بل من واجبهم، أن يعاندوا معنويّا و ألا ييأسوا وذلك للعمل على خلق روحية صمود وعمل سياسية مهما كانت تجارب الأمس فاشلة للسببين التاليين:

-انّ من حق تونس وشعبها امتلاك قوة سياسية ثالثة تحاول الامساك بثالوث حلقات الوطنية والاجتماعية و الديمقراطية ضمن الآفاق القومية و الانسانية قدر الامكان بحيث تحاول تطوير السيادة الوطنية بعيدا عن المحاور الاقليمية والدولية وسياساتها وحروبها الاجرامية وآخرها ما حدث في الساحات الليبية والسورية و اليمنية بمباركة قوى تونسية ،و تطوير السياسة الديمقراطية بعيدا عن الاستبداد باسم الحداثة أو باسم الهوية ،وتطوير المكتسبات الاجتماعية بعيدا عن التطرّف في المحافظة أو التطرّف في الليبيرالية دفاعا عن أغلبية الشعب من الطبقات و الفئات الفقيرة والمتوسطة .

- وان هذه القوة الثالثة لا بدّ أن يكون محورها التنظيمي تحالف تنظيمات وطاقات كلّ قوى اليسار و الوسط الوطنية الاجتماعية الديمقراطية لتكوين أكبر ما أمكن من جبهة وطنية -شعبية تسندها كل الطاقات النقابية والجمعياتية والنخبوية وتهدف الى تغيير معادلة الاستقطاب الثنائية بكل أشكال النضال الجماهيرية السلمية و بكل الطرق الديمقراطية - التي من بينها الانتخابات البلدية والتشريعية و الرّئاسية - و التي لا تهدف لا الى الانتقام و لا الى اعادة انتاج الاستئصال و لكنّها تهدف الى الصمود كمرحلة أولى و الى الانتصار السياسي الديمقراطي في مرحلة ثانية .

خاتمة :

التدوينة بها معادلة مركّبة فيها سبع متغيرات ونتيجتان يمكنها كلّها أن تكون منفصلة ومتّصلة ، ولذلك لا داعي لاعتماد متغير واحد - او اثنين… - منها فحسب و " سحبه من شَعره " للتعليق والاستنتاج . كما لان يفهم منها وجود من تتوفّر فيه كل هذه النقاط مجتمعة لأنّها شبكة 'أمثلة نموذجية' نظرية تساعد فقط على الاقتراب من تعريف وتصنيف الحالات الواقعية. كما لا يجب التركيز على هذه المسألة الفرعية أو تلك واهمال الأساسي الذي هو ضرورة الربط بين ثلاثي الوطنية و الاجتماعية و الديمقراطية في أفق قومي وانساني لتجنّب السّجال العقيم الذي يميّز التفاعلات الافتراضية.

وانّ روحية التدوينة لا ترفض تصنيف الخصوم و لا تبويب النضالات ولا تحقيبها و لا توجيهها حسب الظرف ضد هذا الطرف أو ذاك حسب درجة خطره على المجتمع وفق رؤية خاصة وليس وفق سياسة انفعالية، ولكنها تسعى الى جعل تلك العمليّات نفسها مهمة مشتركة للقطب الثالث المنشود نفسه و ليست عمليات تستغل لعرقلة وجوده أو لفلق بعض نواتاه الحالية اصطفافا وراء هذا القطب أو ذلك ، وهذا القطب الثالث هو وحده من سينجز تحقيقا للتمايز السياسي و التنظيمي التاريخي لما يمكن تسميته بالكتلة التاريخية الوطنية الشعبية.

وفي الاخر لا بدّ من التذكير أن "النظرية رمادية اللون، ولكن شجرة الحياة دائما خضراء" بمعنى خاصّ نسبيّا : انّ ما ذكر ليس سوى بوصلة لتحفيز الأفكار والأفعال لا قيمة لها دون فاعل وفعل و هدف و خارطة طريق جماعية.

ولكن السياسة ليست فقط أفكارا وبرامج و أفعالا وتنظيمات ،الخ. انّها اضافة الى ذلك ،بل وقبله بمعنى ما، نفسية سياسية فردية وجماعية. وكثيرا ما يحصل في السياسة ما يسمى' النبوءات المتحققة ذاتيا' أو 'المتعطلة ذاتيا' بسبب الاقتناع المسبق بإمكان النجاح أو الفشل . ومن هذه الزاوية ، فان تجنب الفشل يبدا أوّل ما يبدأ بالإيمان بإمكان النجاح رغم صعوبته بحيث 'اذا توفرت الارادة توفرت الطريقة' …ولكن دون ارادوية .أمّا المؤمن مسبقا بالفشل فينطبق عليه أحيانا كثيرة قول " المستعدّ للشيء تكفيه أتفه الأسباب" !

ثمّة نفسية سياسية سلبية يجب دفنها فورا اذن ، لأن 'من يخسر نفسه يخسر العالم' .ولكن ذلك لن يتمّ بالوعظ و لا بدروس 'التنمية البشرية' و لا حتى بحصص التحليل النفسي الفردية ، بل بالنضال الجماعي وفي كل المستويات التي منها المستوى النفسي . وهنا لا بدّ من قول ما يلي وبه نختم :

حتّى من يرغب في الأمر أعلاه عقليا و لكنّه لم يعد يقدر عليه نفسيا بإمكانه مساعدة الآخرين… بصمته ؛ ليغيّر 'بقلبه' على الأقل وذلك 'أضعف الايْمان' فيساهم بذلك في نصرة من لا يزال قادرا على التغيير بلسانه و/أو بيده !

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات