حكومة الديوان تطلب الثقة من البرلمان

Photo

سيكثر الحديث حول تركيبة هذه الحكومة التي خرجت البارحة من السريّة إلى العلنيّة. وهو حديث لن يختلف عما كان من حديث عن سابقاتها من الحكومات، رغم ما جدّ من تحوّلات مهمّة في المشهد السياسي.

ويبدو لنا أنّ المشكل ليس في الأشخاص، على أهميّة الأشخاص، وليس في الرؤى والبرامج على أهميّة الرؤى والبرامج. وليس في القانون الانتخابي، على أهية القانون الانتخابي (لا يستطيع الحكم في ظل هذه الظروف حتّى من تحصّل أغلبيّة مريحة في الانتخابات).

المشكل، في تقديري، في عدم توفّر نصيب السلطة/النفوذ الضروري لتنفيذ البرامج وفق الرؤى والسياسات المعلنة. وهذا جوهر الحكم..

لذلك كانت كلّ الحكومات منذ 2011 حكومات تصريف أعمال نتيجة تذرّر السلطة وسيلانها وتوزّعها بين القصبة وقرطاج وباردو وساحة محمد علي والأحزاب والمنظمات واللوبيات ومراكز القوى…الخ. فالسلطة الجديدة في طور التشكّل، والدولة التي وجدت قاعدتها في الجهة (الحاضرة/البلديّة زمن البايات والاستعمار، والساحل منذ 1956 إلى حدود 2011، هي اليوم بصدد البحث عن قاعدتها الماديّة (الاجتماعيّة الاقتصاديّة) في الوطن لتخرج من "الجهويّة" إلى "الوطنيّة".

لذلك هي تقلّب الأحزاب والمنظّمات والأشخاص وتوسّع اختياراتها على كامل تراب الوطن : لا تكاد تجد ولاية أو مدينة لم يكن منها وزير أو رئيس حكومة بعد أن كان الاختيار قبل 2011 محصورا في جهات معيّنة وفئات محدّدة. فالمسار الديمقراطي في وجه من وجوهه هو مسار بحث الدولة عن قاعدة ماديّة (عصبيّة بالمعنى الخلدوني) تستقرّ عليها.

في عهود الاستبداد المتعاقبة كانت كلّ السلطة ممركزة في يد جهة واحدة وهو ما مكّن من تنفيذ السياسات والبرامج بقطع النظر عن مضمونها ودرجة نجاحها.

عندما كانت البرامج ملائمة كان هناك قدر مهمّ من نجاح الحكومات، وكان هذا من 1956 حتّى منتصف السبعينيات.

ثمّ كان التعثّر نتيجة اضطراب المخططات وظهور نتائج السياسات وأمراض الإدارة (تفشّي الفساد). ومع بن علي تمفيز النظام السياسي. ومع ذلك كان هناك مجال لتنفيذ السياسات وتحقيق الأدنى المطلوب ولو بثمن باهض مدفوع من موارد الدولة وحاجات الناس.

والحلّ ليس في مركزة السلطة مجدّدا ليكون الحكم والسلطة في جهة واحدة (حكم الفرد كما يطمح سعيّد). وليس في ترك التذرّر يتفاقم بما يهدّد الدولة بالتفكّك. وإنّما في توفير النصيب الكافي من السلطة والنفوذ للحكم، وتنزيل ما تمّ ٌ إقراره من برامج وإصلاحات. ولن يكون هذا الوضع ممكنا إلاّ مع "تسوية تاريخيّة" ترأب الانقسام في بعديه النمطي والاجتماعي. وفي ذلك مقترحات منها مؤتمر وطني للمصالحة الوطنيّة والتسوية التاريخيّة يكون القاعدة السياسيّة للديمقراطيّة، فيما يشبه مسار عدالة انتقاليّة جديد. ونرى في ظهور ائتلاف برلماني وظيفي أو تحالف حزبي سياسي وازن خطوة عمليّة ممكنة في هذا الاتجاه.

بالنسبة إلى حكومة المشيشي وهي حكومة قيس سعيّد، يواجهها المشكل نفسه (تذرّر السلطة)، وتنضاف أما المشهد صعوبة أخرى متمثّلة في أنّ الجهة التي وراء تشكيل الحكومة تستهدف المسار الديمقراطي بتذرير المذرّر (وعت بذلك أم لم تع) بمخالفتها صريح الدستور والمعلوم من النظام السياسي وتناهض المنظومة الحزبيّة ببديل شعبوي غامض لم تتوخّ سبيل الديمقراطيّة والاختيار الشعبي الحر لتحقيقه وإنّما بتوظيف ما أتيح لها من مؤسسات الدولة بعيدا عن الدستور والقانون.

وهي بذلك تضيف شرخا آخر إلى جانب الانقسام داخل "الصراع الديمقراطي" تحت سقف الدستور. عنوانه "الصراع على الديمقراطيّة" خارج سقف الدستور. وفي هذا تتقاطع الشعبويّة مع الفاشيّة.

على ضوء هذا التصوّر لا نرى لهذه الحكومة من أفق خارج تسيير الأزمة وإضافة عناصر توتّر جديدة. هي "حكومة مشكل" بكلّ المعاني فلا ننتظر منها أن تكون حلاّ للأزمة المركّبة ومنها أزمة المنومة الحزبيّة.

وأمّا المواقف منها فستكون متعدّدة. ونعتبر أنّ الموقف المبدئي هو رفض منحها الثقة (مسار تشكيلها تم خارج الدستور والنظام السياسي وفي تعارض لا يمكن تبريره مع مسار بناء الديمقراطيّة). ولا يعني ذلك أنّ كلّ من كان هذا موقفه إنّما هو وفاء للمبدأ والقيمة. فالمصلحة وحسابات السياسة وهي في هذه الحالة عديدة ومتشعّبة قد تفضي إلى منح الثقة كما قد تفضي إلى منعها. ولا توجد أحزاب وفيّة للمرجعيّة الديمقراطيّة وتدافع بشراسة عن المسار، فالثقافة الديمقراطيّة ماتزال ضعيفة.

إذا منحت هذه الحكومة الثقة فلن تكون أكثر من دليل عملي على قصور الشعبويّة وتهافت ما تبشّر به.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات