التطبيع مع عار وجريمة الصهيونية..ونهاية النظام الرسمي العربي.. والثورة المخنوقة.. وحرية وواجب رعاية الحقيقة ولو صارت يتيمة.

Photo

في السبعينات والثمانينات كانت مقاومة الصهيونية بكل الوسائل واجبا وطنيا عمليا عربيا وإنسانيا وجوديا. كانت فلسطين المغتصبة صهيونيا وامبرياليا عنوانا فكريا للحقيقة والحق في أغلب منتجات مفكري العالم.. وكانت العمليات الفدائية المسلحة ضد الكيان المحتل عنوانا سياسيا لا خلاف حوله داخل الأوساط السياسية العالمية المدافعة عن القيم الإنسانية المشتركة.

عربيا كان تحرير فلسطين عنوانا سياسيا واضحا ومباشرا وبليغا يختزل معركة الشعوب ضد أنظمة عائلية وعسكرية فاشية فشلت في بناء شروط المواجهة مع العدو الذي يدعّم تفوقه العسكري والعلمي باطراد. وكلما ازدادت تلك الأنظمة العربية فشلا زاد اقترابها من الكيان الغاصب القوي لتحتمي به ضد شعوبها.. وحين كانت تحتاج إلى شعوبها لترميم شرعيتها المهترئة، أو للنجاة من كارثة أوقعتها فيها حسابات أوهام العظمة..

تستدعي فلسطين.. فرأينا صدام حسين كيف اختزل أم معارك جنون عظمته المرضي في استدعاء فلسطين عنوانا مسقطا على معركته الفردية الغبية العابثة.. وكيف وجّه في اللحظة الأخيرة صواريخ يائسة نحو الكيان الصهيوني بعد أن بدد كل أرصدة مصداقيته.

حتى السعودية التي تعيش بفضل الحماية الأمريكية البريطانية حافظت لعقود على منصب الراعي الرسمي للحق الفلسطيني وتوجت ذلك بمبادرة الملك عبد الله للتطبيع النهائي سنة 2002. النظام السوري طبعا حالة فريدة في هذا السياق.. هو يقيم كل شرعيته على المواجهة (الافتراضية والمؤجلة إلى الأبد) المباشرة والدائمة مع المحتل الصهيوني.. ولكنه يحتكر أكبر عدد من الجرائم العربية الرسمية الهمجية في حق الفلسطينيين باسم حق احتكار الدفاع عن قضيتهم.

الجديد الآن

حالة سيولة تاريخية عربية خطيرة. سقط النظام الرسمي العربي الصوري، وكان المأمول شعبيا صعود أنظمة تترجم حالة الرفض الشعبي الجذري للكيان الغاصب. لكن ما حدث من حرب داخلية وخارجية شاملة على الانتقال الديمقراطي جعل شعوبنا تواجه خطر اندثار الدولة كليا.

لا معنى هنا لتحميل المسؤولية للشعوب التي انتفضت وأسقطت رموز النظام الرسمي العربي الذي صار تعبيرا عن حالة انسداد تاريخي شامل. ولا معنى لاعتبار ما حصل مؤامرة صهيونية لأن مصالح الصهيونية كانت محروسة كما يجب وأكثر من تلك الأنظمة.

ما يجب الانتباه إليه الآن هو ما يحصل واقعيا من تغيّر قواعد المواجهة مع عدو صهيوني يجب أن يظل مدانا ومكروها ومرفوضا عاطفيا وفكريا شعبيا ورسميا.

شعبيا، في مناخ الحرية الحالي بكل انفلاتاته التي تظل أفضل من غياب الحرية النازع للكرامة الإنسانية.. هذا دور المثقفين والنشطاء السياسيين والمدنيين وسكان فضاءات التواصل الاجتماعي، حتى مع بعض التجاوزات الجانبية التي لا تنتبه بدقة إلى طبيعة الكيان وإلى تعقد المعركة معه.

رسميا، لا أرى معنى للمراهنة على أن يصدر نظام رسمي عربي منهار بيانات تنديد بالتطبيع الإماراتي الأخير مع الصهيونية. الاختراق الصهيوني لدولنا استشرى كالسرطان (لأنه محمول على رافعات استعمار عالمي اقتصادي ومالي وسياسي وعسكري محكم).. ومواجهة كل هذا لن تكون بإحياء تقاليد النفاق الرسمي العربي.

طبعا من حق وواجب رعاة فكرتي الحق والحقيقة مواصلة استهداف الكيان المجرم، لكن مع الانتباه إلى محاذير استراتيجية مهمة.. أولها أن لا تصير فلسطين عامل تقسيم إضافي للصف الوطني الخرب فعلا بما يهدد بقية الدولة.

نحن أمام خطر اندثار الدولة الوطنية لصالح حالة فوضى تاريخية شاملة.

المعادلة دقيقة وحرجة فعلا. لكن اختزالها في محورين مقاوم ومطبّع لا معنى له. فالمحور الذي يتحدث باسم المقاومة مشوّه بالدكتاتورية والإجرام والطائفية والميليشياوية والمعاداة المطلقة للديمقراطية والحرية.. وبالتالي تناقضه مع المشروع الصهيوني ليس تناقضا جوهريا يبشر ببديل إنساني راع للحرية والكرامة. أما محور التطبيع فهو بقايا الأنظمة القديمة المنهارة ويلتقي جوهريا مع المحور الأول في معاداة الحرية والديمقراطية والإنسان.. فقط يضيف إليهما القبول العلني العاري القبيح بالتبعية للاستعمار الخارجي من باب الواقعية.

مأزق؟

هو كذلك وأكثر. كيف نحتال للخروج منه؟ بالتمسّك بإقامة دولة المواطنة الكاملة. دولة راكمت شروط قيامها أجيال من المؤمنين بالحرية والديمقراطية.

صحيح أن هذه الشروط مهددة الآن بزحف الشعبوية المعادية للديمقراطية، وبالفاشية التي تحن لدولة السجون والتعذيب والقهر، وبأخطاء الديمقراطيين الطفولية..

لكن لا خيار.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات