العبدلّي وهاميلتون وأشياء أخرى

Photo

حين تلقيت دعوة السنة الفارطة لحضور مسرحية (ليست للعبدلي) في حفل اختتام مهرجان تردّدت، فأنا أعرف انخراط المسرح اليوم في قيم السوق، وترويجه بصفاقة لمضمونه كسلعة لا تخضع للمواصفات، دون رقابة حقيقية على الجودة. وكان ما توقّعته. فالمسرح كان مكتظّا بجمهور جاء أفرادا وعائلات لمشاهدة الانحطاط المسرحي في أبهى تجلّياته.

وكان الابتذال في العبارة والحركة يصعد إلى عنان السماء ليبلغ قمّة بوقرنين فتتعالى معه الضحكات فجّة معربدة في صمت الليل. وكان الكلام المشحون بالجنس الرخيص والحركات العابثة بالملابس الداخلية للنساء السبيل الأقصر "لإمتاع" جمهور يبحث عن تسلية ويشتاق الضحك وسط فوضى كلّ شيء. يتخلّل كلّ ذلك نقد سياسيّ صار سلعة رائجة بدوره يستهدف رموزا بعينها في عبث بكلّ شيء غايته إسقاط كلّ شيء وتسوية كل شيء أرضا فلا يبقى شيء.

عبث لا علاقة له بالعبث البيكيتي حيث السخرية السوداء تعبير عن فقر الإنسان المعاصر، وحيث الغاية تحقيق الصدمة للإنسان بكشف ابتذاله باسلوب يرقى عن الابتذال، وحيث اللغة تذهب إلى ماوراء اللغة. ولا علاقة له أيضا بالمسرح الفرنسي المعاصر الذي لئن كان يوظّف أحيانا معجم المرأة في حميميتها إلا أنّ ذلك لا يتمّ بهذه الدرجة من المغالاة.

وأذكر أني حضرت مرة في باريس مسرحية فرنسية في نقد البرجوازية الفرنسية في القرن التاسع عشر. ورغم الإغراق في السخرية فإنّ لغة السخرية لم تغرق في المسّ من حميمية المرأة إلا حين استوجب الموقف ذلك. كان الضحك يشيع في القاعة من أول المسرحية إلى آخرها، لكنّه لم يكن ضحكا يختزن موقفا عدوانيا ثاويا من المرأة أو شحنة جنسية لابدة.

المسرحية التونسية المعروضة في مهرجاناتنا اليوم تستثمر عموما في الانحطاط وفق قيم السوق التي تسعى فقط إلى الربح، لذلك فإنّ اعتبار أنّ المسرح قد انحطّ فجأة مع العبدلي وأنّ العبدلي يجسّد ذروة الانحطاط ولا بدّ من معاقبته، هو تعبير عن انحطاط آخر أشدّ خطرا، لأنّ غايته الدفاع عن فاشية قادمة وكبت الأصوات وتكميم الأفواه لا غير، وفي اتّجاه واحد. انحطاط سياسي أنتج مثل هذه الرداءة الثقافية ويعيد إنتاجها كلّما أنعشته الأزمات.

لم يفعل العبدلي غير الاستجابة لقيم السوق، في مناخ حرّ. إنّه يدرك اليوم أنّ هنالك جمهور يعادي الفاشية وهو يستثمر بذكاء في غضب هذا الجمهور، وربّما انطلاقا من غضب ذاتي أيضا. كما استثمر غيره للإساءة الى رموز وكما استثمر البعض اغتيال شكري بلعيد لرفع الصوت في المسرح ضد الاخوان وسط جمهور يرفع شعار يا غنوشي يا سفاح. إنّه سوق الفنّ المتقاطع اليوم مع سوق السياسة في مناخ حرية تدفع الفنان إلى البحث عن مضامين جديدة لمقاومة الكساد.

إنّنا لسنا أمام مسرح عظيم في قيمة مسرحية هاملتون الجبّارة تلك التي ترجّ الوجدان وهي تستعرض أمامك التاريخ الأمريكي بقادته المؤسّسين في أسلوب فاتن يجمع بين الغناء والرقص والفكاهة وفي مزج عجيب بين الراب والأوبيريت. إنّنا لسنا أمام فنّ عملاق يؤسس للحظة. نحن أمام أعمال فقيرة فقر الإبداع هنا، ثقافيا وسياسيا، وأمام مسرحيين يتلمّسون السبيل للقمة العيش. ككلّ أبناء هذا الشعب التائه. هاميلتون مسرحية تحتاج دولة كبرى لتنجز.

نحن أمام منجز كلامي يحاول أن يكون فنا لدولة تحاول أن تكون دولة. مسرحيّة هاميلتون هي نتاج رجل مثل هاملتون الذي يعدّ من مؤسسي الولايت المتحدة الأمريكية الكبار، العبدلّي هو نتاج مؤسّسين بأيد مرتعشة، ورؤية غامضة.

لقد كان على الحريّة أن تحملنا بعيدا، ولكن خضوعها لشروط الواقع أفقر الإبداع، وأنتج نصوصا مشوّهة كالواقع، ولو نجح العبدلي في التقاط اللحظة للتعبير بفنية عالية عن موقف من الفاشية لكتب التاريخ عن المسرح الذي قاوم عودة الفاشية.

ولكن، إذا كنا سنوقف عروض العبدلّي المارق عن الأخلاق، فلنوقف كلّ العروض المارقة، عن الأخلاق، وعن الدين، وعن المقدّس عموما، ولنستغن عن المسرح أو هذا الذي يشبه المسرح.. ألسنا شعبا عظيما دون مسرح؟ ولنوقف أيضا الشعر واللأدب والسينما والغناء. ألسنا شعبا عظيما دون ذلك؟ ولنستغن عن الثقافة فما حاجتنا للثقافة؟ ألسنا شعبا عظيما دون ثقافة؟

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات