هل يتحول حزب النهضة إلى منظومة حكم؟

Photo

مع اقتراب الإسلاميين في تونس أكثر من سدة الحكم، تتكاثر المسؤوليات عليهم ومن بينها إعادة بناء الشخصية الإسلامية السياسية. يعرف خصوم حزب النهضة التونسي أكثر مما يعرف أنصاره الأثر العميق الذي نتج عن مشاركته في العمل السياسي القانوني منذ الثورة.

لقد كانوا يتوقعون ذلك ويحتاطون له بغير السبل الديمقراطية ولكن الثورة غيرت المعطيات فشارك الإسلاميون وانتصروا وحكموا ويتجهون بسرعة قياسية إلى تملّك منظومة الحكم ويحلون في الدولة كما حل فيها حزب بورقيبة/بن علي لمدة نصف قرن.

هل ستكون منظومة النهضة مطابقة في طبيعتها الاجتماعية وعملها السياسي لمنظومة بورقيبة فتعيد إنتاج الفشل نفسه؟ أو إنها ستغير اتجاه الاقتصاد وبالتالي السياسة نحو دولة نمر اقتصادي في أفريقيا كما يبشر بذلك الحزب؟

سننظر هنا في أربعة معطيات موضوعية جعلت الحديث عن حلول النهضة في الدولة احتمالاً وارداً. ثم نقرأ التوقعات نحو المستقبل دون أن نزعم تملّك اليقين.

تآكل منظومة حكم بورقيبة ودولته الجهوية المافوية

كانت دولة بورقيبة آذنت بالأفول منذ الثمانينيات ولكن الحاجة الأوروبية (الغربية) إلى نظام مستقر يمرر برنامج الإصلاح الهيكلي وبخاصة نظام سياسي غير إسلامي مدت في أنفاسها ربع قرن بتنظيم انقلاب مخابراتي منع المنظومة من الانهيار، وجعلها تؤدي نفس الدور؛ أي إلحاق تونس بالاقتصاد الأوروبي بعامة والفرنسي بخاصة.

ربع قرن من دولة بورقيبة بغير بورقيبة ولكن بنفس الدور والمهام والوسائل غير الديمقراطية. كانت مرحلة استنزفت فيها كل الشعارات الكبيرة المؤسِّسة للدولة، وأفرغت من مضامينها وأفقدت مؤسسات الحكم كل مصداقية، وحولت السياسي إلى عنصر مافيا يتصيد أرباحه. وكانت أكبر سقطة أخلاقية هي الحرب على الإسلاميين باسم الحداثة والتقدم فقد استبعدوا لتتمكن المافيا من العمل بكل حرية وبمباركة اليسار ومشاركته.

لقد حوّل بن علي وريث بورقيبة الدولة إلى عصابة فقضى عليها، فلم تقم بعد سقوطه وإن استمرت في تمثيل دور الدولة على بشر يمثلون دور المواطنين.

وكان من علامات ضعف المواطنة أن لم تقم في وجه بن علي معارضة جديرة بالبقاء بعده. لكن عهد بن علي صرف الناس عن الدولة/العصابة وهيأهم لتقبل التغيير الحقيقي القادم من الأعماق، فمن يقود التغيير الآن؟

هشاشة المكون السياسي والثقافي غير النهضاوي

الحقيقة التي ينكرها معارضو بن علي ومعارضو النهضة من بعده هي أنهم لم يرتقوا عدداً وعدة إلى معارضة فاعلة يمكنها تسلّم السلطة بوسائل الديمقراطية التي أتاحتها الثورة. لقد استعملهم بن علي في تدمير الإسلاميين ثم عرّضتهم الثورة إلى اختبار قوة ففشلوا.

سقطت عنهم أولاً حجة الضحية المضطهدة الممنوعة من العمل الديمقراطي وهي الحجة التي سمحت لهم بالعيش والتنفس (بما في ذلك تلقّي تمويلات أجنبية باسم العمل المدني).

في غير وضعية الضحية لم نجد أي بدائل فكرية أو تنظيمية قادرة على الاستمرار والمنافسة.

أجهزت انتخابات 2014 على جزء كبير منهم، وستنهي انتخابات 2019 البقية الباقية بحيث سنكون في 2024 أمام خريطة سياسية جديدة كليّاً ليس فيها وجوه معارضة بن علي بما في ذلك وجوه النقابة التي حاولت ملأ الفراغ ففشلت.

سيكون حزب النهضة في محل قيادة العمل السياسي العام من موقع السلطة، وستكون هناك معارضة جديدة تنصلت من تاريخ المعارضة، وبنت لها أساليب عمل جديدة، وفكرت في مستقبل مختلف لا يقوم على استئصال النهضة كما كان دأب من كان قبلها بل معارضتها، وهنا تتغير المعطيات.

لن يكون الصراع بين حداثي وإسلامي (تقدمي ضد رجعي) بل بين منظومة حكم عمودها النهضة وفيها مكونات جديدة غير إسلامية وغير استئصالية (منها بقايا المنظومة التائبة بعد هزيمتها) ومعارضة جديدة حديثة في تفكيرها وفي وسائلها، وموضع الخلاف والتدافع هو من يخدم الشعب أكثر.

القدرة التنظيمية وطموح الفئات الوسطى الجديدة

سبب مهم آخر لتقدم النهضة في المشهد السياسي وحلولها بديلاً محتملاً للمنظومة هو قدرتها التنظيمية وتماسكها الهيكلي.

لقد ظن الجميع أن بن علي دمر النهضة تدميراً كاملاً، ولكن فوجئ المراقبون بأن الحزب عاد سريعاً بعد الثورة، فلم تمر 6 أشهر (يناير-يونيو) حتى كان للحزب هيكل تنظيمي كامل يغطي كل قرية وكل مدينة وكل حي في مدينة، وله قيادة ونظام تواصل داخلي، ووجه خارجي، وله مؤسساته المنتخبة.

سبب هذه القوة ردة الفعل على القهر والاضطهاد. والأهم من المظلومية المجمعة بالعاطفة طموح مكونات الحزب إلى المشاركة والغنيمة.

هنا وجب أن نقف طويلاً عند مكونات الحزب الاجتماعية.

الحزب في عمقه مكون من الشريحة الوسطى المركبة من المهن الحرة، وصغار الحرفيين ومتوسطيهم، ومن الموظفين ورجال التعليم؛ أي نفس مكونات أغلب التشكيلات السياسية لكن مع حضور كبير في الأرياف حيث الفلاحين وصغار الملاك العقاريين.

وفي مواضع كثيرة يستعمل الحزب خطاباً دينياً (من فترة ما قبل الثورة) إذ يجد آذاناً مصغية لدى الفئات المحافِظة بقطع النظر عن وضعها الاجتماعي.

ما الذي يختلف به الحزب عن البقية إذن؟

تركيبة ثلاثية تشتغل إلى حد الآن بنجاعة المَظلمة التاريخية المستمرة على الرغم من الوجود القانوني والمشاركة في الحكم إلى جانب الطموح إلى المنفعة الذي يميز القاعدة الوسطى وكلاهما يُمتّن بنيان التنظيم ويقدمه للخارج كضمان استقرار لم يقدمه غيره وبخاصة النقابة التي تحولت إلى أداة تخريب بلا دور ولا ضمانات لاستثمار اقتصادي.

وتعتبر معركة الترشيح التي جرت في 2019 فخرج منها متماسكاً علامة على سلامة التنظيم وقدرته على تطوير ذاته والبقاء في مقدمة المشهد للداخل المشتت بلا قيادة، وللخارج الراغب في وجود شريك موثوق.

هذه الصورة التنظيمية والسياسة لم ترتقِ إليها المعارضة القديمة فتلاشت، ولم تبلغها المعارضة الجديدة بعدُ فتنافس من موقع قوة وهو ما يفسح الطريق لحزب النهضة ليتقدم في اتجاه الحكم والدولة.

لكن حذارِ فالنجاح التنظيمي للطبقة الوسطى ولو بخطاب إسلامي طهوري يجعلنا أقرب إلى نموذج عمرو بن العاص في مصر (متعة الغنيمة/السلطة) وأبعد ما نكون عن نموذج الحسين في كربلاء (الإخلاص للمبدأ/ الشهادة).

اصلة ربط النخبة بها لذلك أحدثت جامعة فرنسية بتونس تسلم شهادات معادلة للشهادة الفرنسية.

لكن مؤشر التراجع الأكبر هو دخول السيارة الآسيوية إلى السوق التونسية (الهندية، الصينية، اليابانية، والكورية). كل سيارة آسيوية تحل مكان سيارة فرنسية. بعض هذه الشركات لا تبيع الجاهز، وإنما تركّب في تونس وتشغل أيدي عاملة مختصة وهو ما لم تسمح به فرنسا أبداً.

الغنوشي ومنذ الثورة يربط شبكة علاقات مع النمور الآسيوية، ولديه خطته لتعديد الشركاء الاقتصاديين، وكل شريك جديد سيأخذ من حصة فرنسا، ويقلل من تأثيرها الاقتصادي وبالتالي السياسي.

وكلما خف تأثير فرنسا على تونس تراجع أنصارها سياسياً في الداخل، وكل تراجع تتوسع فيه النهضة وتوسع لشركائها الجدد ومنهم الشريك التركي القريب.

كم سيستغرق ذلك من وقت؟

لن تكون ضربة سيف على طريقة قرارات القذافي. ولكن الغنوشي يطبق المثل الفرنسي (الانتقام وجبة تؤكل باردة). ونعتقد أنه سيبدأ في الأكل في وقت قريب. وسنراقب معركة إصلاح التعليم بين (2019-2024) لنعرف ضربة البداية.

ففرنسا مستعدة لخسارات كثيرة ليس منها خسارة عقول النخبة التونسية التي أنفقت عليها الكثير.

هل صارت النهضة في الحكم؟

الطريق سالكة والعقبات تزول من تلقاء نفسها. ويبدو أن الحزب خرج من منطقة التوجس والخوف، وخفت حديث المؤامرة على الإسلاميين الذي كانت بعض القيادات تفرط في استدعائه. لكن كما أسلفت الوصول لا يعني البقاء، وعقبة البقاء في الدولة هي جشع مكونات الحزب من الشرائح الوسطى التي خربت دولة بورقيبة والتي نرى عليها الآن أدلة كثيرة تؤذن بميلاد حزب تجمع جديد.

كيف يمكن لجم طموحها الغريزي بخاصة بعد أن لُحس خطاب الجهاد في سبيل الله والأمة وقضاياها الجامعة مما كان يستعمل في الاستقطاب ضمن مشروع تحرر قومي أممي إسلامي لنصرة المستضعفين في الأرض؟

هذا تحدي القيادة الجديد إذ لم يعد مطلوباً تكوين الفرد الإسلامي على فكرة الجهاد في سبيل الله بل تربية المواطن على بناء الدولة الحديثة ذات المهام الدنيوية.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات