أمّ عائشة و أخواتها

Photo

أمّ عائشة ترمّلت في سنّ الثّلاثين و لها من الأبناء خمسة منهم رضيع، أمٌ عائشة الأمّية الّتي لا تحسن فكّ طلاسم الحرف واجهت الحياة و شدّتها بهمّة الرّجال و خاضت معاركها بشجاعة الفرسان الأشاوس لتنتصر في النّهاية و تترجّل بعد أن أتمّت رسالتها على أحسن وجه.

لم تكتف بتربيّة أبنائها و رعايتهم حتّى أتمّوا دراستهم بل استمرّت في عطائها ليشمل أحفادها، سنوات من التضحية لم تنطفئ جذوتها إلى اللّحظة الّتي لبّت فيها نداء ربّها منذ إحدى عشرة سنة.

رحم اللّه أمّ عائشة الّتي كنت أتفادى و ربّما أخجل من مناداتها بحماتي لما تحمل التّسمية من معان سلبيّة في المخيال الجمعي و الّتي تتجلّى أمامي كمثال نمطي للأمّ كلّما ذكرت الأمّ و للمرأة في صورتها المثلى كلّما كان الحديث عن المرأة.

أمّ بدرالدّين أيضا ترمّلت منذ 20 عاما لتكافح منذ ذلك الحين لأجل أبنائها السّبعة و تبتدئ في تذوّق ثمرة ما زرعته إلى حين خسوف بدرها في تمام اكتماله، بدر الدين الّذي امتطى مصعد نجاحه ليطوي المحطّات دون توقّف كان ضحية مصعد عطّبه الاستهتار و الفساد و الضّمير الغائب الّذي غيّبه في وطن يلتهم أبناءه أو يلفظهم و يطردهم و يحتفظ بأسوإ من فيه، أمّ بدرالدّين الصّابرة المكافحة الرّاضية المحتسبة الّتي لم تفقد اتّزانها مع هول ما أصابها هي أيضا الأمّ الّتي استحضرها و المرأة الّتي تتمثّل في ذهني حينما يطرح موضوع المرأة.

أمٌ مباركة هي امرأة أخرى صادفتها في إحدى غابات الزّيتون في موسم الجني، امرأة ستّينية لفحتها رياح السنين فارتسمت على صفحة وجهها تجاعيد كطبقات جيولوجية تؤرّخ معاناتها، أمّ مباركة كانت قصّة مقتضبة لتلك الشّجرة المباركة، تشتغل بنصف أجرة الرّجال بمردود يعجز عنه الرّجال، و هي و هنّ من شبيهاتها يعصرن ليعصر الزّيت و يخزّن و يصرّف و ينتفخ به رصيد المستكرشين.

أمّ مباركة تعمل لأجل من لا يعملون و بعضهم يبحث عن صمّام لإغلاقه أو طريق لقطعه لأجل أن يعمل!

أمّ مباركة و أخواتها و هنّ كثر هي المثال لأمّ و امرأة هذه الأرض، زيتونة مباركة لا شرقيّة و لا غربيّة عصيّة على القلع و الاجتثاث.

أمّ ربح هي مثال حيّ آخر للأمّ و المرأة، هي امرأة في الثّمانين من عمرها قابلتها ذات مرّة في ريف الڨصرين لتترك بصمتها في الصّورة الّتي ترتسم في ذهني عن النّساء العظيمات، ذات هيبة و وقار ما يكفيان لكلّ الرّجال، كشجرة سنديان عظيمة ذات جذع صلب يستظلّ بها الجميع و يلتجئ اليها الجميع قصد النّصيحة و المشورة.

أمّ ربح انتصرت على فيروس الكورونا بعد أن انتصرت على الفيروسات البشرية الأشدّ خطرا لتستعيد نشاطها و تمارس ما جبلت عليه و خبرته، صناعة الإنسان.

لن أتحدّث عن جدّتي فاطمة و أمّي و زوجتي و أخواتي و بناتي و زميلاتي فقد لا يكفي المجال لذكرهنّ جميعا و ايلائهنّ ما يستحققن من تقدير، فهنّ الأمّ و الأخت و الزّوجة و البنت و الزّميلة و هنّ الماضي و الحاضر و المستقبل.

هنّ شجرات هذه الأرض، زهراتها، سنابلها و فسائلها و بذراتها الأصليّة الأصيلة من يحاول البعض استبدالها بأخرى مستنسخة هجينة، مسرطنة و عقيمة.

للأرض مضادّاتها الّتي تلفظ كلّ جسم غريب و للفطرة دفاعاتها لمجابهة أيّة طفرة جينية أو مستحدثة و كما تمكّنت أمّ ربح من الانتصار على الفيروس كورونا و قد جاوزت عتبة الثمانين فبمقدور الأمّ و المرأة بصفة عامّة أن تخرج معافاة من الهجمة الوحشية الشّرسة الّتي تستهدفها منذ عقود لأجل تبضيعها و تثبيط وظيفتها الأسمى في صنع الإنسان.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات