عندما تُصغي الدولة إلى هامشها

Photo

اندلع حوار واسع في أوساط النخبة السياسيّة والاقتصاديّة في تونس على خلفيّة توصّل حكومة السيّد هشام المشّيشي إلى إمضاء اتفاق يوم 6 نوفمبر/ تشرين الثاني2020 مع تنسيقيّة الكامور وممثّلي المجتمع الأهلي في تطاوين. وهو ما مكّن من استئناف ضخّ النفط بعد تعطيل طال بسبب الاعتصام. واعتبر رئيس الحكومة أنّ مهمّة الدولة ليس مصادمة الجهات وإنّما محاورة مواطنيها والاستماع إلى مشاغلهم والأخذ بما قد يقترحونه من وجهات نظر ملائمة حول المشكلات المعيشيّة والتنمويّة.

ويمكن ردّ المواقف المختلفة حول الاتفاق إلى موقفين: موقف يعتبر الإمضاء على الاتفاق إذعانا لقوى ليس لها تمثيليّة قانونيّة ومسّا بهيبة الدولة ومقدّمة إلى تهديد دورها وهزّ علاقتها بمجالها الترابي والسياسي. وموقف يرى في إنصات الدولة إلى الهامش وعيا منها متقدّما بالمكان، وبأنّها لم تكن تُغطّي كلّ مجالها السياسي، وأنّ الانقسام الاجتماعي كان نتيجة عهود طويلة من الحكم المركزيّ الموروث عن البايات والزمن الاستعماري ودولة الاستقلال.

الدولة ومجالها السياسي

الفضاء من مقوّمات الدولة وأحد أهمّ عناصرها المؤسسة. ويمثّل مجال نفوذها ومدى سلطتها بما هي خدمات وإحاطة. ويقاس تأثيرها بقدرتها على تغطية فضائها الذي هو مجالها السياسي. وهذه القدرة ليست منفصلة عن طبيعة الدولة. وغالبا ما تكون مركزيّة الدولةِ مانعاَ من تغطية كلّ مجالها السياسي. ولا يخفى أنّ تاريخ الدولة في تونس هو، في بعد من أبعاده، تاريخ مركزيّتها وعجزها عن تمثيل الجميع بالقدر الأدنى من الرعاية والعدل.

قبل الثورة، كانت النظرة إلى الدولة محدودة والخطاب الذي يحوم حولها من قبل الناطقين باسمها أو من قبل معارضيها فقيرا لا يكاد يخرج عن النعوت السياسيّة مدحا وذمّا. غير أنّ ما فتحته الثورة من حياة سياسيّة جديدة طرح سؤال الدولة، ومكّن من بلورة خطاب عنها. ومع ذلك فإنّ علاقتها بمحيطها (المجتمع) وبمجالها السياسي (الجهات) لم تحظ بالتدقيق المطلوب في الخطاب السياسي والتنموي.

وإنّ أكثر ما يسترعي الانتباه في علاقة الدولة بمجالها غيابُ حقيقة الانقسام الاجتماعي عن الخطاب السياسي والتنموي. وحين تتحدّث إلى أهل الاختصاص في الماليّة والاقتصاد والتنمية تلاحظ نظرتهم المبسّطة إلى علاقة الدولة بمحيطها. وأنّ الحياة السياسيّة تتلخّص في العلاقة بين الدولة والمجتمع بتعميم مخلّ حول هذه العلاقة، أي حول ما تعرفه الدولة من تركيب (السطح/العمق) وما يعرفه المجتمع من تعقيد (مدني/أهلي). إلى جانب غياب التدقيق الغالب على خطابهم في ما يحيط الدولة من "دوائر اجتماعيّة" تعكس كلّ دائرة منها مستوى اجتماعيّا تختلف علاقته بالدولة عمّا سواه. وكلّما اتسعت الدائرة ضعفت العلاقة التي قد ترتدّ إلى مجرّد صلة إداريّة للدولة بمحيطها تُختزل أحيانا في "الحالة المدنيّة" و"الأحوال الشخصيّة".

ويمتدّ هذا التصوّر الذي لا يخلو من تبسيط إلى خطاب النخبة السياسيّة والاقتصاديّة عن الثورة وما عرفته البلاد من انتفاض مواطني جذري. وملخّص الأمر أنّ من يخطئ في "الانقسام الاجتماعي" سيخطئ حتما في فهم الدولة والمجتمع وعلاقتهما. وسيخطئ في فهم الثورة وأطوار الانتقال إلى الديمقراطية والتوترات الاجتماعيّة المرافقة.

عشر سنوات من الانتقال السياسي كانت كفيلة بلفت انتباه الدولة إلى أنّها لم تكن تغطّي كلّ مجالها السياسي والاجتماعي نتيجة طبيعتها المركزيّة. وأنّه لن يخرجها من "جهويّتها" لتكتسب صفة "الوطنيّة" سوى رأب الصدع الاجتماعي بتنمية محليّة مستدامة في إطار تصوّر وطني للثروة والتنمية والاقتصاد.

مرجعيّة الديمقراطيّة ومسارِها

من المهمّ الانتباه إلى أنّ خطاب "هيبة الدولة" الذي تم استدعاؤه هذه الأيّام في موضوع الكامور ليس من خطاب الدولة ومن يمثّلها. وإنّما هو من إنجاز نخب إعلاميّة وسياسيّة وأكاديميّة. ولئن كان كثير من الأكاديميين أوفياء إلى مقارباتهم المنهجيّة وشروطها العلميّة فإنّ البعض منهم لا يتحرّج من أن يكون موقفه من توجّه حكومة المشيشي في موضوع الكامور غير بعيد عن النظام المركزي ولوبياته المتنفّذة ومصالحه القديمة والجديدة. ولا يتردّد في المجاهرة بأنّ في توسيع الدولة مجال رعايتها وتغطيتها الاجتماعيّة، وتواصلها مع هامشها ومحاولتها توفير الشروط التي توصل إلى رأب الصدع الاجتماعي، مسًّا بمصالح النظام المركزي وامتداداته في الإدارة والدولة ورأس المال.

وكأنّنا أمام جهتين تتنازعان الكلام باسم الدولة وتنطقان بمصلحتها: بقايا النظام المركزي القديم التي تجد من يتكلّم باسم مصالحها في الإعلام والإدارة والأكاديميا، والحكومة التي تعيد اكتشاف دورها ومحيطها بمرجعيّة الديمقراطيّة ومسار بنائها. وهذا على قدر كبير من الأهميّة. لأنّه لا مرجعيّة لخطاب النظام المركزي القديم سوى محاولته التلبّس بمصلحة الدولة (هيبة الدولة)، ويبدو هذا الخطاب في أكثر من سياق إمّا متجاهلا لعمليّة الانتقال أو مجاهرا بمناهضتها. وكثيرا ما كان قريبا من وجهة نظر ترى في الأزمة الماليّة والاقتصادية نتيجة من نتائج الثورة والديمقراطيّة.

تبدو لنا الحكومة اليوم الأقرب إلى خطاب الدولة وتمثيلها. ولها في توجّهها هذا رافدان مهمّان: المرجعيّة الديمقراطيّة والوعي بحقيقة الانقسام الاجتماعي ودوره في تكييف المشهد السياسي وتحوّلاته. وأمّا عن المرجعيّة الديمقراطيّة فتتحدّد بالالتزام بالثورة والدستور والاختيار الشعبي الحر سبيلا إلى التداول السلمي على المسؤوليّة والمسار الديمقراطي واستكمال مؤسساته. وتستفيد الدولة في هذا من تجربتها مع الهامش في الحوض المنجمي وفي أحداث الخبز 1984 وفي الانتفاض الاجتماعي المتواتر.

والإضافة المهمّة التي حصلت للدولة في سنوات الانتقال العشر كانت في الوعي بالانقسام الاجتماعي ودوره في التوتّر الاجتماعي الدوري، ولكن من منظور الديمقراطية ومرجعيّتها السياسيّة هذه المرّة. فسياسة الصدام لم تُنتج إلا عزلة الدولة وتطرّفها في سياساتها اللاشعبيّة، وولم يكن من نتائجها غير اتجاه الهامش إلى التصلّب والجذريّة في مطالبه الاجتماعيّة، دون أن تخرجه هذه الجذرية عن المقاربة الوطنيّة. فالهامش الذي انتفض بداية من 17 ديسمبر 2010 أنهى مهمّته بكسر الاستبداد وبسط الحريّة. وكان انتقاله إلى الحاضرة بالقصبة لتحميل الطبقة السياسيّة مسؤوليّة الانتقال إلى الديمقراطيّة ورأب الصدع الاجتماعي بتنمية مستدامة توحّد البلاد، قبل أن يعود إلى مواقعه في الدواخل. ولا نرى في موقف حكومة المشيشي الأخير بفتح الحوار على مصراعيه مع الداخل إلا محاولة لالتقاط هذه اللحظة من تسليم مهمّة بناء الديمقراطيّة وتوحيد البلاد.

رؤية جديدة

يقرّ أهل الاختصاص في الماليّة والاقتصاد بوجود اقتصاد رسمي واقتصاد مواز يفوق الـ50 % من حجم الاقتصاد العام. ولكنّهم لا ينتبهون مليّا إلى وجود مجالين في السياسة أيضا: مجال سياسي رسمي وآخر مواز أو هامشي (يرى في نفسه أصلا أهليّا). وحتّى أهل السياسة وقادة المؤسسات الأولى في الدولة لا ينتبهون إلى هذه الحقيقة بما يكفي. كما لا نرى الانتباه المطلوب من أهل الاختصاص في العلوم الاجتماعيّة والدراسات السوسيولوجيّة إلى وجود مجالين قيميَّيْن: مجال رسمي ومجال مواز. فكما يوجد هامش اقتصادي وهامش سياسي يوجد هامش قيمي فيه اجتمعت كلّ الظواهر المُعَوْلَمة من تطرّف عنيف ومثليّة وألتراس وجريمة نوعيّة.

الانتباه إلى وجود مجالين سياسيين مهمّ جدّا بالنسبة إلى الدولة. لأنّه سيُوسِّع من رؤيتها بعد أن كانت، بتركيزها على المجال السياسي الرسمي وإهمالها ما يعتمل داخل المجال السياسي الموازي، كمن يتابع منافسة رياضيّة وهو لا يرى من الملعب إلا نصفه.

في المجال السياسي الرسمي تقوم ديمقراطيّة تمثيليّة في سياق انتقال ديمقراطي متعثّر (حياة حزبية). في حين يعرف المجال السياسي الموازي الذي فجّر الثورة احتجاجات دوريّة عرفتها سنوات الانتقال العشر (حركة اجتماعيّة، آصف بيات). كان جزء منها موجّهاً وغير بعيد عن تجاذبات السياسة. ولكنّ تواصل جانب منها رغم تعاقب كلّ تعبيرات الطبقة السياسية على الحكم والمعارضة في هذه العشريّة يجعل من أسبابها ما هو ثابت وعميق في التركيبة الاجتماعية ومجاوزا للأجندات السياسية الفئويّة.

في المجال السياسي الرسمي ديمقراطيّة تمثيليّة تؤسسها الأحزاب السياسيّة في مشهد سياسي هو "وسط بلا يسار". وفي المجال السياسي الهامشي حركة اجتماعيّة من طبيعة احتجاجيّة بأفق ديمقراطيّة تشاركيّة: "يسار اجتماعي" يمْتَحُ من ثقافة أهليّة تتخطّى ثنائيّة رأسمالي/ اشتراكي باتّجاه "جَماعيّة" تعتبر "الملكيّة وظيفة اجتماعيّة"، وتجتهد في تحويل الثقافة الأهليّة والعادات المحليّة إلى قيم تنمويّة.

ما نذكره ليس حقيقة ماثلة بقدرما هو أفق قد يتقدّم نحوه المشهد السياسي الاجتماعي. وكان منتظرا أن تقوم قوّة حزبيّة سياسيّة بمهمّة الجسر بين المجالين السياسيين. ولكنّ جلّ التجارب الحزبيّة ذات العمق الاجتماعي ركنت إلى المجال السياسي الرسمي بديمقراطيّته التمثيليّة. ومنها من استقرّ في الوسط ومنها من اختار أقصى اليمين إلى جانب آخر تعبيرات القديم العنيفة والمناهضة للثورة والديمقراطيّة.

في ظلّ هذا الفراغ تتقدّم الدولة من خلال حكومة المشيشي من أجل مهمّة الجسر المطلوبة بالشراكة مع حركة الهامش الاجتماعيّة. وفي هذا السياق يأتي خطاب الدولة إلى هامشها وحسن إنصاتها إليه. ومهمّة الجسر هذه خطوة نحو رأب الصدع الاجتماعي الذي لن يكون إلاّ بتنمية مستدامة. وما يقوّي الأمل بنجاح هذا التوجّه ما يبديه المجال السياسي في الهامش من حركة اجتماعيّة يترشّد خطابها قُدُمًا باتجاه المقاربة الوطنيّة للثروة والتنمية المستدامة. وفي هذا يمكن أن تتظافر جهود الحوض المنجمي والكامور وجمنة، ومطالب كلّ الجهات المشروعة، رغم خصوصيّات كلّ تجربة. ولا خطر في ذلك على الدولة ووحدتها ما دامت المقاربة وطنيّة.

حسن إصغاء الدولة إلى هامشها، ووعيها بمجالها السياسي وبضرورة أن تغطّي كلّ المساحة الاجتماعيّة بمرجعيّة الديمقراطيّة ومسارها معطى جديد. وهي تعلم أنّ الهامش ليس مكانا بقدرما هو مستوى معيشي مثلما يكون في أعماق الداخل يكون مجاورا لـ"أحياء الفساد البرجوازي" في العاصمة وضواحيها. وتدرك أنّ رأب الصدع الاجتماعي بالشراكة المذكورة يكون بحركتين متخارجتين: تطوّر المبادرة المحليّة وتحمّل الناس مسؤوليات تجويد مستوى العيش من خلال حوكمة جيّدة لمواردهم المحليّة، وخروج متدرّج للدولة من مركزيّتها سبب الانقسام الاجتماعي الفعلي وسبب "جهويّتها".

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات