هل هو عجز النظام السياسي...أو العجز المفضوح "للنخب" السياسية الحاكمة؟

Photo

تفاقم التهجم على النظام السياسي المكرس في دستور جانفي 2014... الذي كان محل توافق.. وصوت عليه الجميع في المجلس التأسيسي بدون أدنى معارضة من أي طرف سياسي موجود الآن على الساحة... (204 أصوات من أصل 2017) ...وهو الرقم القياسي في نسبة التصويت من المجلس التأسيسي لحد هذا التاريخ!!! فهذا يقول أنه فاشل... وهو مساهم في عدم تطبيق الدستور...ورفض إرساء جل مؤسسات هذا النظام..

بعدم إرساء المحكمة الدستورية أعلى سلطة...والهيئات التعديلية للسلطتين التنفيذية والتشريعية... والمجالس الجهوية المختصة في التنمية الجهوية مما يفسر في جانب مهم الأزمة الاقتصادية والإجتماعبة وتواصل الاحتجاجات الاجتماعية في الجهات بسببها.... وذلك لأنهم تفرمتو على الحكم المركزي الفردي ويرفضون التخلي عن صلاحيات هي في دستورنا لتلك المؤسسات ولأصحاب الشأن والحقوق...

وهذا يقول أن النظام شبه البرلماني الديمقراطي لا يليق ببلادنا... عوض القول أن النظام الديمقراطي لا يليق به وأنه ليس أهل له... لأنه لا يفقه في الديمقراطية أبجديتها... ومتعاميا أن هذا النظام مكرس في العديد من البلدان التي عاشت الانتقال الديمقراطي قبلنا... ولم تطالب أحزابهما بتغييره منذ أن وقع سنه…

والآخر يقول أن النظام شبه البرلماني هجين ولا يصلح.. أين ينتخب رئيس الدولة بالانتخاب المباشر وله صلاحيات في الدفاع والسياسة الخارجية والحق في حل البرلمان... والحكومة التي لها أغلبية برلمانية تختص بباقي الصلاحيات التنفيذية ولو كان رئيسها غير منتخب... متعاميا أن هذا النظام أفرزته ضرورة التوقي من رجوع الحكم الفردي والاستبداد بسرعة.. بتوزيع السلطة التنفيذية بين رئيس له شرعية شعبية... ومجلس له أيضا شرعية شعبية ويعطي الثقة للحكومة ويراقبها…

وهو نظام ناجح مثلا في البرتغال منذ ثورة القرنفل في سنة 1973...ولم يتغير ومكن من إرساء دولة ديمقراطية وتنمية مستدامة وتطور اقتصادي واجتماعي مطرد في أقل من نصف قرن بعد السنوات الأولى العجاف... ومن زار البرتغال في تلك الفترة اصطدم بمستوى الفقر والخاصصة والتخلف الذي كانت عليه البلاد.. (زرتها شخصيا في أوت 1978 فوجدت تونس آنذاك متقدمة عليها اقتصاديا واجتماعيا وحتى حداثيا لتغلغل الفكر الكنيسي الرجعي في الأرياف والمجتمع) ...فأين بلادنا من البرتغال اليوم؟ الخ... من الترهات "الدستورية" التبريرية…

تبريرية لأنهم يسوقوها لإخفاء عوراتهم...وعجزهم كأحزاب أوصلوا البلاد إلى حافة الهاوية... لأن مشكلة تونس ليست في النظام السياسي مهما كان... بل هي في الطبقة السياسية الفاشلة التي مجها الشعب... وخاصة الأحزاب التي مارست السلطة منذ الثورة... واوصلت البلاد لما هي عليه الآن…

هي أحزاب على شاكلة التجمع المنحل... لا تؤمن بالديمقراطية ولا تمارسها داخلها... والتي بدونها ليس هناك حزب كما هو متعارف عليه في هذا العصر الديمقراطي.. وهو مكرس أيضا في قانون الأحزاب ولكنهم غير ملتزمين به…

هي أحزاب زبونية تكونت حول شخص... ينصب نفسه زعيما لحاشية تلتحق به من أجل المنافع الشخصية التي يمكن أن يوفرها...أو تأمل أن يوفرها مستقبلا لما يشارك الحزب في السلطة.. وهي أحزاب ليس لها برنامج... ولا تنجز مؤتمرات ديمقراطية...وليس لها مؤسسات حزبية استشرافية... ولا مراكز تفكير ودراسات ومقترحات...الخ..

وهي أحزاب لها إما خطاب شعبوي بالكثير من الوعود الزائفة... او خطاب مزدوج...أو خطاب سياسوي منمق على الطريقة العصرية الدغمائية باستغلال الوسائل الحديثة... وكلها تحوم حول شخص... عادة ما يكون متخلف عن عصره في كيفية التأقلم مع الواقع الديمقراطي الجديد... وفي مستلزمات تأسيس حزب جماهيري..

ولذلك وبسببه... فهي أحزاب لتوفير المنافع للحاشية بالوصول للسلطة... أين توزع المنافع... فتضطر للانخراط في منظومة الفساد لتوفير الأموال للحملات الانتخابية ولتنظيمها الحزبي ...فتسقط في الفساد... وتصبح رهينة للفاسدين الذين مولوها... وَللحاشية التي تأثث قيادات الحزب... لتوزيع المنافع وللصراع عليها ضد بقية الأطراف المشاركين في السلطة…

وكل ذلك باستغلال السلطة وجهاز الدولة كما قبل الثورة... وهي أفعال من شأنها أن ترتقي إلى جرائم... مثل تلك التي حوكمت من أجلها قيادات التجمع المنحل إثر الثورة... بالفصل 96 من المجلة الجنائية وغيره...

وأحسن مثال على ذلك حزب نداء تونس الذي لم ينجز مؤتمرا ديمقراطيا قبل انتخابات 2014...وكذب على جمهوره بالإدعاء أن له برنامج اقتصادي واجتماعي سينفذه لما يكون في السلطة لإخراج البلاد من وضعها الاقتصادي والاجتماعي المتردي آنذاك (تتذكروا بكاء المرحوم البجبوج على المرأة التي لم تأكل اللحم؟ ... فهل هي تجد اليوم الخبز والمقرونة وعلبة الحليب؟)

فلما انتخب السبسي رئيسا لكل التونسيين ولم يعد له الحق دستوريا في أن يبقى رئيسا للنداء... تقاتلت الحاشية على تعويضه في منصب الزعيم... ضد بعضها البعض... وشاهدنا انقلابات وانقلابات مضادة.... ووضعيات مقرفة...شبيهة بالممارسات التي تحصل لدى المافيات... وتفرقع النداء إلى بقايا من قبيل الصفر فاصل... في غياب بروز زعيم منقذ…

وبالمناسبة فلا دخل مباشر للنهضة في هذه الوضعية كما يدعي بعض المؤلفة قلوبهم أو من يتهربون من تحمل المسؤولية من جماعة النداء... وإنما هي وجدت أرضا خصبة لتعميق التناقضات داخل النداء باللعب أولا مع ابن الرئيس "والاعتراف به" كممثل شرعي ووحيد للنداء... ثم مع الشاهد الذي انقلب على الرئيس.. ضد ابن الرئيس... وكل ذلك للتحالف مع جزء من حزب النداء على حساب الآخر في تقاسم السلطة... حزب هزمها في انتخابات 2014 ولم يمكنها رغم التوافق معه إلا من كتابة دولة...وبعد ذلك نالت نصيبا مهما مع الشاهد...

أما بقية الأحزاب التي شاركت في السلطة... منذ الثورة... وإلى اليوم.... فحدث ولا حرج..والدليل انها اندثرت او أصبحت من قبيل الصفر فاصل... وستندثر كليا إن تغير النظام الانتخابي..

تلك الطبقة السياسية التي حكمت وتحكم... والتي مجها الشعب... فلم يذهب للتصويت في الانتخابات التشريعية آلا بنسبة 4 من 10 من المسجلين في القائمات الانتخابية…

تلك الطبقة السياسية التي حكمت وتحكم هي المشكل...وهي المسؤولة... وليس النظام السياسي... فمهما كان النظام السياسي... وطالما هي كما هي... جيبلها أي نظام سياسي فلن تنتج إلا ما أنتجته... نظرا لطبيعتها اللاديمقراطية... ولتعاملها مع الفساد للوصول للسلطة...واعتبار السلطة ومفاصل الدولة غنيمة…

وطبعا استثني منها مكونات الكتلة الديمقراطية... فتلك قصة أخرى…

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات