عندما تتحول الحركة السنوية للقضاة الى حديث عن وكيل الجمهورية وزوجة

Photo

اطلعنا على بعض ردود الافعال الاولية حول الحركة القضائية لهذه السنة وكلها تركزت تقريبا على نقلتين اولاهما تتعلق بوكيل الجمهورية في ابتدائية تونس 1 والثانية تتعلق بزوجة رئيس الجمهورية .غير أن الحركة لا تقرأ من خلال بعض الأسماء وإن كانت لبعضها بلا شك دلالات هامة باعتبار قيمة الخطط التي تحيل عليها في التنظيم القضائي او لطبيعة القضاة المشمولين بها بل تقرا أساسا من خلال تدليل مجلس القضاء العدلي وإثباته لكون جملة القرارات التي أتخذها مطابقة للمعايير والقواعد التي وقع تحديد الحركة في إطارها طبق الدستور والقانون المنظم للمجلس .

ولئن كانت مراجعة المسؤوليات القضائية بناء على تقييم الأداء أمر ضروري ومطلوب ومعمول به في الأنظمة القضائية المتطورة إلا أن تلك المراجعة تعني بالنسبة الى المجلس أن يتقيد بصرامة بما سبق أن أعلن عنه ضمن مناشير الحركة القضائية ومفادها أن مراجعة أية مسؤولية قضائية ستتم باعتماد تقارير الرؤساء ولجان التقييم وتقارير التفقدية.. أما أن يضع المجلس معايير ثم يلجأ في اللحظة الأخيرة والحركة على وشك الإعلان عنها الى عمليات تصويت (تطرح أكثر من تساؤل) حول الأخذ بهذه المعايير أو عدم الأخذ بها فهو أمر في غاية الخطورة كما وقع في هذه الحركة.

لقد انتهت عملية التصويت وهي أشبه بانقلاب المجلس على ذاته باستبعاد تطبيق المعايير التي وضعها في إسناد المسؤوليات او التجريد منها في جو هيمن عليه الاعتباط وتسربت بصدده أخبار التآمر والدسيسة.

هكذا وحين تغيب المقاييس عمدا وبمناسبة حالات دون أخرى يسود التقييم الانطباعي فيذهب ضحيته البعض أو تطغى عقلية المحاباة مرة أخرى فيحصن البعض الآخر من أي تقييم ومراجعة خصوصا بعض أعضاء المجلس الذين حامت حول سلامة ادائهم شبهات جدية كثيرة (وهو ما سنعود إليه بالتفصيل في مقال أكثر توسعا).

اضف الى ذلك و في جو الذي يلفه الغموض علم بعض القضاة مبكرا ودون سائر زملائهم بان شغورات ستحدث على مستوى بعض المسؤوليات خلال إنجاز الحركة فيطالبون بتلك المسؤوليات وان لم تعلن شغورات بشأنها في فترة جمع مطالب القضاة فيكون الأشخاص المحددون سلفا ودون تناظر جاهزين للتسمية ليلة الإعلان على الحركة بعد سقوط »ضحايا» جراء إسقاط المعايير والتقييمات وتقارير اللجان كما تقارير التفقدية بشأنهم.

في هذا الجو من الريبة تنتشر أخبار و قرارات المجلس وتفاصيلها » السرية » في شكل فضائح يومية عبر الماكينات الإعلامية و في عملية استباق وفرض للأمر الواقع ينشرها شق من المجلس ضد الشق الآخر بما يفتح الأبواب على مصاريعها للتأويلات حول أغراض سياسية محتملة دفعت إلى تنحية وكيل الجمهورية بالمحكمة الابتدائية بتونس من خلال عملية قطع طريق للحيلولة دون استكمال أبحاث في قضايا فساد من الصف الثقيل كانت وكالة الجمهورية بتونس بصدد العمل عليها وتعم قراءات حول علاقة مريبة بين تنحية وكيل الجمهورية بالمحكمة الابتدائية بتونس لأغراض سياسية ونقلة الزميلة زوجة رئيس الجمهورية للتغطية على تنحية وكيل الجمهورية و لإعطاء الانطباع بأن المجلس لا يحابي إي جهة سياسية وان الحركة لا دخل فيها للسياسة .

ولكن النتيجة تكون عكسية باعتبار أن هذه الأجواء من الصراعات الداخلية والتسريبات غير المقبولة والصادمة تعزز الانطباع لدى الرأي العام بان الحركة في مجموعها تخضع الى هذه الاعتبارات السياسية التي لا يمكن للمجلس أن يبرئ نفسه منها بمثل هذا الأداء.

كل هذا يشير بوضوح الى فداحة أوضاع المجلس إن لم يدلل عبر تقارير لاحقة للحركة على مطابقة كل قرارته في إسناد المسؤوليات أو التجريد منها وبخصوص النقل والترقيات عموما من أعلى مسؤولية إلى أدناها لما وضعه من شروط ومحاذير. ذلك من صلب واجبه إذ الحركة القضائية لا يكفي فيها إعلان النوايا صلب مناشير المعايير بل لا بد أيضا وخاصة من التدليل فيها على الوصول إلى النتائج طبق مقدماتها وإلا فإن كل التأويلات ومنها المذكورة أعلاه على خطورتها تصبح مقبولة ومصدقة. فهل يقدر المجلس خطورة الموقف في كل هذا؟

وينضاف الى هذا الغموض غياب الحضور الإعلامي للمجلس الأعلى للقضاء ومجلس القضاء العدلي عموما إلا في حالات نادرة. فمن الغريب أن هذا الظهور النادر لا يرتبط إلا بمعارك الصلاحيات مع السلطة التنفيذية، أما صلاحية المجلس الأساسية التي لا يجادله فيها أحد والتي لا تأويل فيها وهي إدارة المسارات المهنية للقضاة باعتباره الحارس لواجبات القضاة في الكفاءة والنزاهة والحياد والقائم على حسن سير القضاء من خلال التسميات القضائية عبر كل محاكم الجمهورية فانه لا يعلمنا بشيء عنها رغم انه يمتلك سلطات رهيبة تسود من خلالها الدكتاتوريات او تنهض بها الديمقراطيات الناشئة بالنظر إلى كونها مفاتيح الإصلاح القضائي. هكذا إذن لم يعقد المجلس منذ تركيزه أية ندوة صحفية عقب الإعلان على الحركات القضائية ولم يطرح أي تقارير حول حقيقة تطبيقه للمعايير التي يعلن عنها كل سنة ومدى ما حققه من إصلاح بحجم ما منح من صلاحيات في إدارة المسارات المهنية للقضاة من إسناد المسؤوليات وإقرار الترقيات والنقل والنظر في الملفات التأديبية.

مجلسنا الموقر يقرر كل ما له صلة بمحاكم التونسيين وبعدالتهم وبمصائر ألفين واربعمائة قاض على الأقل ومن ورائهم مصائر كل المتقاضين… مجلسنا يتحكم في تطلعات المجتمع في مكافحة الفساد وتحقيق النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي عبر عدالة قوية ونزيهة.

رغم كل ذلك فهو لا يفسر شيئا للتونسيين ولا للقضاة حول قراراته في كل سنة بمناسبة الحركة الدورية للقضاة بخلاف كل المشرفين على المرافق العمومية وهو لا يجيب على تساؤلات الراي العام في حوارات مباشرة. انه ببساطة خارج كل ورقابة …يقرر ولا يسأل عن قرارته بل إنه يا للغرابة تراجع على تقليد الممارسة الفضلى التي أسست لها الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي بعقد ندوة صحفية بعد الإعلان على كل حركة قضائية مع ملف صحفي يضم مذكرة في تصور الهيئة للحركة وأهدافها وتقرير شرح إنجاز الحركة ومدى تحقيق كل الأهداف التي رسمت لها في تفاعل مباشر مع الصحفيين والمنظمات المعنية بالشأن القضائي وفي تجسيد لمؤسسة قضائية في خدمة المجتمع تسعى الى بناء الثقة معه وطمأنته حول حسن إدارة القضاء والإجابة على كل تساؤلاته و مشاغله والمعاناة التي يقاسيها في تعامله مع مرفق العدالة .

اخيرا نتمنى ان نرى في المستقبل قراءات كثيرة للحركة لا تتوقف عند بعض الأسماء من أجل الإثارة والتجريح الظالم في الاشخاص لأغراض سياسية ترتبط بهذه المسؤولية أو تلك بل قراءات عميقة تتقدم بأوضاع المؤسسة القضائية من اجل اختبار مدى مطابقة الحركة في مخرجاتها لما ألزم به المجلس الأعلى للقضاء نفسه من قيود في ما نشره من مذكرات الإعداد طبق الدستور والقانون والممارسات الفضلى للحوكمة والشفافية ومقتضيات الاصلاح القضائي.

فبقدر دفاعنا على استقلالية المجلس بقدر مطالبتنا بان يخضع للمراقبة والمساءلة، فهاتان من جوهر العملية الديمقراطية التي تحول دون التسلط والاعتباط والاستبداد.. فالسلطة المطلقة مفسدة مطلقة.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات