زمن وأزمة كورونا إلى متى؟

Photo

تعاطت كل دول العالم مع جائحة فيروس كوفيد-19 بشتى الطرق والوسائل الوقائية للسيطرة على إنتشار الوباء وتعددت وتنوعت طرق المقاومة فمن الحجر الصحّي الشّامل والإغلاق العام (مثال: الصين) الى إجراء عدد كبير من الفحوص للتعرف على الحالات المبكرة وعزلها مع تتبّع سلسلة العدوى وفرض قيود دون إغلاق البلاد أو تطبيق الحجر الصحي بأسره (مثال: كوريا الجنوبية وكذلك ألمانيا) وإلى طريقة فريدة من نوعها سياسة مناعة القطيع وعدم فرض الحضر والحجر الصحي العام (مثال: السويد).

إنه تعامل مختلف نوعيا وغايته واحدة اتّسم بالبطء في الإستجابة لتفشي الفيروس لبعض الدول (كأمريكا؛ ايطاليا؛ إيران؛ فرنسا...) وأدّى ذلك إلى نتائج وخيمة ولكن بعض الدول الأخرى على نقيض هؤلاء تميّز تعاملهم واستجابتهم بسرعة التحرك والحسم والإستباقية وكنتيجة لذلك تمكنوا من السيطرة على إنتشار الوباء وجعل الضرر dégâts البشري إلى أدنى مستوياته (كالصين وكوريا الجنوبية والمانيا وغيرهم كتونس...).

تتموقع تونس ضمن البلدان التي تعاملت بإيجابية وإستباقية رغم بعض النقائص فلقد إتعضت بتجارب الدول الأخرى وأحسنت إجمالا الوقاية من خطر إنتشار الوباء وتفادت الكارثة الصحية. لا بدّ أن نسأل عن أزمة كورونا إلى متى؟ وهل تستطيع تونس أن تضمن لنفسها موقعا جيّدا ما بعد أزمة كورونا فيروس؟ يتميّز الوضع الراهن بحالة وبائية تحت السيطرة وتواصل للحجر الصحي الشامل وحضر التجول مع تفاقم الصعوبات النفسية والإجتماعية والإقتصادية ؛ فالعطالة والفراغ والضجر والملل مجلبة لكل النقائص وكذلك المفاسد وقليل من يقتنص الفرصة لتغيير ما يجب تغييره وممارسة النقد الذاتي لإنطلاقة جديدة وهذا ينطبق على كل الميادين وكل المجالات الحياتية.

إن وباء فيروس كورونا المستجدّ كما هو معلوم غيٌر مسار النسق العادي لحياة البشرية وقلب كل المعطيات ؛ فرمل سرعة السّير والتوجّه والإنتاج إلى أدناه وعطّل النشاط والحركة وألغى التدافع والحراك الإجتماعي ومنع المنافسة ظرفيا فلقد خيّم الخوف في البداية من عدوى الفيروس ولكن مع تواصل الحجر الصحي الشامل ازداد القلق والإكتئاب وشبح المستقبل الغامض وطفت على السطح مشاكل إجتماعية واقتصادية من صعوبة العيش وفقدان فئات إجتماعية لموارد رزقهم واخرون اغلقت محلاتهم وتعطلت مصالحهم وتضررت قطاعات هشّة وتعذر خلاص أجور شهر أفريل لعديد العمّال في القطاع الخاص مما انجرّ عنه مشكلة بين اتحاد الشغل ومنظمة الأعراف.

احتقان اجتماعي وضيق ومشاكل لا أحد يمكن ان يتنبأ بالمآل في قادم الأيام. إذن لا بدّ من موازنة راجحة تحقق الوقاية من إنتشار الوباء وإحتوائه وعدم تعطيل الإقتصاد وركوده وسبات المجتمع لأن إنعكاسات الأزمة الراهنة وتواصل الحجر الصحي الشامل وحضر التجول تكلفته باهضة جدا وثقيلة نفسيا ومعنويا وماليا. كلما تأخر رفع الحجر زاد بعد ذلك كلفته وانعكاساته الأليمة على الدولة والطبقة الكادحة ومسّ كل مناحي الحياة بالضرر فلربما أدّى ذلك كله إلى عدم الإستقرار الإجتماعي والعجز الإقتصادي مما يضطر الجميع إلى بذل أقصى التضحيات لإنقاذ ما يجب إنقاذه والعاقل اللبيب الفطن من يستبق الأحداث قبل وقوعها ويتجنب المنزلقات والمطبّات الخطيرة بأن يسلك مسلكا غير محفوف بالمخاطر.

ما دامت الأمور تحت السيطرة نسبيا فالأجدى رفع الحجر تدريجيا بدون تردّد وحذر مفرط فمن الشجاعة المتّزنة عدم التهوّر وكذلك عدم التهيّب؛ فمباشرة الحياة تدريجيا أجدى وأنفع من مواصلة العزل الجماعي وحضر التجول.

اعادة إحياء "relancer " الحياة الطبيعية بصفة تدريجية برجوع القطاعات الاكثر اهمية والمؤسسات المنتجة لمباشرة نشاطها وانخراط حرفيين وأصحاب محلات وورشات في الدورة الإقتصادية بتدرّج ونسق تصاعدي مع مراعات الظروف الصحيّة.

فلا بدّ أن يتعايش المجتمع والناس جميعا مع هذا الطارئ والمتغيّر الجديد الذي حلّ بيننا وببيئتنا فأقلق راحتنا وغيّر نمط حياتنا وسلب حريتنا وعطّل نشاطنا وحركتنا؛ فلا بد من عكس المسار وتحفيز نسق جديد بالتكيّف معه ومباشرة حياتنا برصانة ويقظة وانتباه؛ إذن لتحقيق هذا الواقع العملي لا بد من جرأة سياسية مع حنكة مفعمة بروح المسؤولية والشجاعة فوضعية الحجر الصحي و"محلّك سر الإجتماعي والإقتصادي " أرهقت وسترهق من بعد كاهلنا جميعا.

القرار المسؤول رفع الحجر الصحي تدريجيا دون تباطئ مع ملازمة اليقظة وتدابير الحذر والمراقبة والمتابعة والتثقيف والتوعية المستمرة هو الحل الأمثل دون ضرر ولا ضرار ولا إفراط ولا تفريط. إنها فرصة ليكتسب الشعب مناعة ضد هذا الفيروس ولعلها تحصل المناعة الجماعية وليتدرّب على التعايش مع الأزمات ومجاراتها بإقتدار والتأقلم مع الظروف الصّعبة ليتجاوز ويستمر فهو يجهل الغيب وما تخفيه الأقدار.

فكما أنّ الرّجوع التدريجي للحياة العادية لن يكون عاديا بالمرّة بما تتطلبه زمن ما بعد كورونا من إنضباط وإنتباه ويقظة وملازمة الحذر للوقاية من الوباء بالتباعد الإجتماعي وتجنّب التجمعات العامة وإتباع نصائح وارشادات منظمة الصحة العالمية وتوجيهات وزارة الصحة التونسية وضرورة إجراء هذه الأخيرة لفحوص انتقائية والعزل الموجّه لإتقاء الأسوء فالفيروس لن يمحى من الوجود وهو قادر على إحداث طفرات " mutations " في مادّته الوراثية والتحوّل.

إذن لا سبيل إلا الوقاية والتكيّف والمناعة الجماعيّة ولا مجال لحجر صحّي متواصل أو متقطّع ومتّصل وكذلك لحظر تجول مرافق له. أزمة كورونا فرصة أيضا للقطع مع ثقافة القطيع وسلوك الهمج الرعاع والإرتقاء بالنوع البشري إلى أرقى سلوكياته الحضارية بتوخي الإنضباط والإنتباه وترك مسافة الآمان وان يقف كل مواطن عند حقه لا يتجاوز حق غيره ويتخلى اراديا عن نرجسية كاذبة وأنانية واهمة.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات