إذا التقى وباءان هُمِّش ما سبق…

Photo

المركزيّة النقابيّة تهمّشت نسبيّا مع الكوفيد 19، وحاولت تلقاش مدخل للحضور في المشهد السياسي المشدود إلى مهمة واحدة: الحرب على الكورورنا. ولم تكن الأحزاب السياسيّة بعيدة عن هذه الهامشيّة...ولا مقياس لنا في وزن المواقف وتقييمها إلاّ في علاقتها بخطّة الحكومة في الحرب على الوباء.

الحضور الفاعل بالنسبة لنقابة وطنية تربط بين حقوق منظوريها ووضع البلاد الانتقالي أمر سهل، لكن علاش بدا صعيب بالنسبة إلى المركزية النقابية وحسّت أنّها تهمشت، وتفرح بأي اجتماع يتاح لها مع الرئاسات الثلاث أو أي مناسبة تمكّنها من الحضور والتذكير بأنها هنا؟

الجواب واضح: لأنّ المركزية النقابية حصرت "نضالها الحزبي" منذ 2011 تقريبا في "تبريك المشهد" أداتها مجاميع إيديولوجية متحصّنة بالاتحاد سلاحها الوحيد هو الإضراب لفرض موقف فئوي، أو لمواجهة خصم إيديولوجي تمّ تفويضه ديمقراطيا في مرحلة من مراحل الانتقال، أو للتغطية على ملفات فساد قديم وآخر متجدّد.

فهي لا تقدر على شنّ إضرابات في هذه المرحلة خوفا لا تقديرا للظرف، فقد مررنا بظروف شبيهة يحتاج فيها البلد إلى هدنة فكان الردّ المركزيّة النقابيّة بإضراب عام سياسي عام وليس مطلبيّا في مرّتين متتاليّتين. ولن تترك الفرصة تمرّ مع أوّل مناسبة تقدّر فيها إمكانيّة الإضراب لتعود إلى عادتها. وغالبا ما يتولّى الإعلام النوفمبري التهيئة لاستساغة ذلك. وهذه النبرة ملاحظة هذه الأيّام مع كلّ خطوة ناجحة في مواجهة الوباء...

من طرائف الرغبة في تسجيل الحضور احتجاج الناطق الرسمي باسم الاتحاد على وزير الوظيفة العموميّة محمّد عبّو حول دعوته إلى إلغاء وصولات الأكل التي يتمّ إسنادها لفائدة الأعزان العموميين. وأفاد الطاهري في تصريح لوكالة تونس إفريقيا للأنباء أنّ الطرف النقابي معنيّ بالتشاور مع الحكومة بشأن أي قرار يهم وصولات الأكل" هذه. (السيّد الوزير استهلكته صورة العدل المنفّذ هذه الأيّام، كان الله في عونه).

ليس في هذا تهوين من موضوع الوصولات، ولا من جديّة السيد الوزير ومثابرته في مقاومة الفساد. ولكنّا أوردناه دليلا على الهامشيّة المدّعاة التي لا بديل عنها إلاّ الانخراط النبيل في مواجهة الموت الواحف.

والتي رأينا لها وجها آخر بارزا في العريضة الوطنيّة التي أصدرتها بعض الشخصيّات الوطنيّة وفي مقدّمتها الرباعي الراعي للحوار حول الكورونا وسبل ومواجهته. وقد كان صديقي حبيب لاحظ برشاقته المعهودة أنّ ما ورد في نقاط العريضة وتوصياتها معروض منذ أسبوعين على قارعة الطريق وقد ردّدته الحكومة ووزارة الصحّة وأطنبت في شرحه وتفصيله.

أصِفُ فأقول: إنّ العريضة مهمّة من حيث مضمونها غير أنّها أشبه بالهجوم على باب مفتوح. وأضيف فأشير إلى أنّ الأهمّ في كلّ هذا هو أنّ من كان يبادر ليوقف (ينقلب) مشهدا سياسيا قائما (مسار التأسيس) ليصنع مشهدا جديدا (مسار الانتقال) بشروطه هو اليوم يلاحق الأحداث وقد يقنع ـ الآن على الأقلّ ـ بالمراقب للوضع عن كثب. هذا مؤشّر مهمّ

الصديق عبد الحميد الجلاصي كان من بين الممضين على البيان هو أيضا بعد أن أدركتنا الكورونا وهو يغادر حركة النهضة.

مواجهة الكورونا تستدعي وحدة الصفّ، ولست بصدد إيقاظ فتنة لم تنم أصلا، ولكنّ لحظة المواجهة نفسها هي لحظة المواقف الفاصلة. ولحظة التجاوز وبناء تونس الجديدة جزء من الحرب على الوباء. وسنعود إلى أداء الحكومة ورئيسها بنقد جذريّ مفصّل.

الشعور بالهامشية عند المركزيّة النقابيّة لا يفسّره إلاّ حالها وعجزها عن استعادة وجه الاتحاد الاجتماعي السياسي بأفق وطني…لذلك فإنّها عندما فقدت الشجاعة على الإضراب (بلا سبب) وجدت نفسها على الهامش…فمن أدمن الهدم يشعر بالغربة عندما يشرع من حوله في صدّ الخطر مقدّمةً للبناء.

وكلّ هذا نتيجة لرواسب من تجربة المنظمة الشغيلة منذ 56. تجربة كان فيها الاتحاد جزءا من النظام السياسي في العهد البورقيبي، وله:

- مبرراته فيما آلت إليه الصراعات داخل الحركة الوطنية وحسمها لصالح الشق القريب من فرنسا وسياساتها وتصوّرها لاستقلال تونس.

- أسبابه في ما رضيت به المركزية النقابية من جريمة المناولة والدفاع عن "منوال صانع التغيير" في التنمية و"دولة القانون والمؤسسات" في السياسة والإدارة. وهو ما مهّد لعلاقة المركزيّة النقابية بالسيستام وقد تشكّلت ملامحه الكاملة في العشرية الثانية من حكم بن علي.

بعد الثورة، وسقوط النظام لم يكن أمام المركزية النقابية المثقلة بعشريتي الموالاة لنظام بن علي وبتأثير تيار "البوليس السياسي" مُختطف الاتحاد إلاّ أن تسعى لتكون جزءا من السيستام، فلم يخرج أداؤها في عشرية الثورة عن هذا الدور. وهو ما غيّب طرحا بديلا عن الدولة والملكيّة والاقتصاد ومنوال التنمية والثقافة الأهليّة والانتظام المحلّي…

هذا تعليق سياسي عن المركزيّة النقابيّة ولنا عودة إلى " المسألة النقابيّة" وقد كنّا بسطنا وجهة نظر أساسها علاقة المدني بالأهلي في تجربة الحركة الوطنيّة والدولة والمسألة النقابيّة.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات