كيف صار أربكان" النهضة "أردوغانها"؟

Photo

أو التلاميذ الذين ألِفُوا "يمين شيخهم"....

نريد أن نقول كلمة في موضوع استقالة الصديق عبد الحميد الجلاصي القيادي بحركة النهضة. فقد تبلورت لدينا فكرة كبرى عن الظاهرة كنّا كتبناها في أكثر من مقال قبل الثورة وبعدها. وتتلخّص في علاقة الإسلام السياسي بتأسيس الديمقراطيّة. فهو شرطها الأساسي. ويمثّل بلوغه أعلى مراحله (العدالة والتنمية) لحظة تأسيس الديمقراطيّة. وهي نفسها لحظة اضمحلاله بدخوله في هويّة سياسيّة جديدة هي جزء من نسيج البناء الديمقراطي.

ويرتبط بلوغ مرحلة العدلة والتنمية بـ"انقسام" حاملها السياسي وهي الحزب أو الحركة باتجاه "عمليّة تجديد متجاوز". وقد عرفت التجربة التركيّة خروج التلاميذ (غول، أردوغان...) عن الأستاذ المؤسس(أربكان). وقد بلغ الخلاف أن اتهم الأستاذ التلاميذ الخارجين عليه بمخالفته الإسلام.

في تونس، كانت مرحلة الاستبداد مانعة من التطور المطلوب داخل الحركة. ولكنّ الثورة ومنسوب الحريّة سرّعا من التطوّر نحو الغاية المطلوبة. غير عوائق ذاتيّة وأخرى وموضوعيّة (تعثّر الانتقال الديمقراطي)، حالت دون الوصول.

العوائق الذاتيّة تمثّلت في غياب التلاميذ القادرين على التجاوز، وقد قلت للصديق عبد الحميد إنّ تلاميذ الغنّوشي (على عكس تلاميذ أربكان) كانوا على يمينه. وبقي خلافهم معه في مستوى "التقدير السياسي". فـ"مشكلة النهضة لم تكن يوما في الأفكار بل في إدارة الأفكار" مثلما يقرّر عبد الحميد الجلاصي في نصّ استقالته. ورغم ذلك هو نصّ مفاجئ بالنسبة إليه من جهة عمقه، لم ألحظه عند عبر الحميد في كلّ المناسبات التي جمعتنا، ومنها مناسبات كان فيها الحديث مفصّلا وشاملا وفي متّسع من الوقت.

كنت أقول له قياسا على التجربة التركيّة: أنتم على يمين شيخكم، ولم تتجاوزوا ردّة الفعل إلى الفكرة المؤسسة...يبدو أنّ شيخكم هو "أردوغان" وليس أنتم (الحبيب بوعجيلة). مسألة التخصّص التي طرحها المؤتمر العاشر، على قدر كبير من الأهميّة، وأهمّ نتائجها هي أنّ النهضة لم تعد تقدّم "عرضا دينيّا" (ماهر الزغلامي)، ولكنّ خصومها أرهقهم "وسواس الإيديولجيا" ومشكلتهم مع "الثقافة الأهليّة" فلم يلتقطوا اللحظة واعتبروا الأمر مناورة على الطريق.

من جهة أخرى كانت فكرة التخصّص خطوة متقدّمة نحو تجاوز هويّة " الإسلام السياسي"، ولكنّ التلاميذ ركنوا إلى يمين شيخهم. حتّى لكأنّه " ثار على نفسه" و" خرج عليها". وبقيت النهضة تختزن في داخلها احتمالين سياسيين: الحزب المحافظ والحزب العلماني اللذين تحتاجهما البلاد. ويتأكّد هذا بعد إجهاض تجربة المؤتمر الذي كان نواة لحزب علماني كبير، بعبارة الصديق الحبيب بوعجيلة.

عندما كنّا في حزب المؤتمر كنّا نقول لأصدقائنا في النهضة: يبدو أنّ العوائق التي تمنع بلوغكم مرحلة "العدالة والتنمية" وما يختزنه حزبنا من خصوصيّة (حداثي متمفصل مع الهويّة) وما يحتلّه من موقع سياسي سيجعل منّا نحن من يصل قبلكم إلى مرحلة العدلة والتنمية.

وقبل التوتّرات داخل النهضة، كانت تجربة خروج القيادي رياض الشعيبي. وكان مصيرها ما كان. دون أن تتبلور لنا عنها صورة واضحة، ولكن يبدو أنّها لم تخرج عن "التوتّر العادي" وما تعرفه التجربة من محاولة لتجاوز العوائق الذاتيّة البنيويّة. وكأنّ دخولها المبكّر في مناكفات مع الحركة الأم سحبها وظيفيّا دون وعي منها قريبا من "الجبهة الشعبيّة"، رغم محاولات البناء الجادّة.

قلنا إنّ انقسام النهضة سيكون ضرورة ديمقراطيّة، غير أنّ الأهمّ في كل هذا هو أنّ الخارج عن "التجربة الأمّ" ليس بالضرورة ممثّلا لـ"عمليّة التجديد والتجاوز"، فقد يبقى الجديد في موطنه الأصلي.

وتبقى أسئلة أخرى يضيق عنها السياق، أسئلة عن تجربة الإسلاميين وحركة النهضة في تونس وما تفرّع عنها، أسئلة عن أصولها الفكرية وروافدها السياسيّة وعلاقتها بحركات الإصلاح والفكر الحداثي، والمراحل التي عرفتها، ودور مؤسسها وأجيالها، وعلاقتها بالحريّة فكرةً وسلوكاً سياسيّا نضاليّا...أسئلة عن مراحل الصدام مع الدولة ونظام الاستبداد.... وآثار كلّ ذلك...

كتب الصديق حمزة المؤدّب في تقديم لمقال له متميّز عن "خروج النهضة المرتبك من الإسلام السياسي، بمركز كارنيغي: في نقاش لي مع استاذي أوليفييه روا قلت له ان الغنوشي يخشى مصير أربكان فأجابني ان الأصح ان الغنوشي يريد ان يكون أربكان واردوغان في نفس الوقت".

استقالة الصديق عبد الحميد الجلاصي في بعد من أبعادها تكثيف لتجربة جيل من المناضلين الأفذاذ من مختلف التجارب السياسيّة. فمسيرة عبد الحميد النضاليّة ترتقي إلى سيرة "النماذج النضاليّة" التي كان فيها العطاء والتجرّد والفداء بلا حدود والمعاناة والعذابات والصبر والمصابرة مذكّرة بسير عشّاق الحق والحقيقة قديما...وهي السير التي قد تحفظها الذاكرة "مثالا أعلى" وقد تطويها النهايات غير الموفّقة.

نحن على طريق بلوغ المرحلة والغاية...بفضل أجيال المناضلين المتلاحقة... ولله الأمر من قبل ومن بعد…

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات