صناعة "الافراح الكاذبة" وخبر تشغيل "حقل نوارة"

Photo

روى لي أحدهم وهو من كبار السّن أن في نهاية الستينات كانت للراحل الرئيس بورقيبة زيارة الى احدى الولايات لتدشين بئر عميقة وبعض الإنجازات الاخرى. وفي الاثناء قام المسؤول الجهوي وشُعب الحزب الاشتراكي الدستوري أنداك بالاستعدادات "اللازمة". ومن بينها كمية هامّة من المياه (ليست من البئر التي لم تُنجز) ليتم تسريبها أمام عدسات المصورين، ومقالٌ من "المبعوث الصحفي" (الذي لم يتنقل الى عين المكان) أُرسل الى جريدة يومية على السّاعة الرابعة صباحا، إلا أن زيارة الرئيس أُلغيت فجأةً في الساعة الأخيرة.... وارتبك كل المعنيين بالأمر ونسوا قصة "المقال" الذي نُشر ووصل الى الرئاسة…

وبقطع النظر عن مآل المقال والإجراءات العقابية التي اتُّخِذت حيال الفضيحة (وقد ذُكر بعضُها في البرنامج التلفزي اليومي: "من توجيهات الرئيس")، يبدو أنّ "صناعة الافراح الكاذبة" للترويج السياسي المُضلِّلِ ثقافةٌ نابعة من إطار خصب ومُهيئ لمبادرات الفاقدين لذواتهم والذين يحرّكهم البحثُ عن الانتفاع من فُتاة الرّيع بالتقرب لفلك السلطة.

اذْ بقدر ما تنتشر هذه المبادرات وتترسخ عبر الزمن، بقدر ما تصبح ممارساتٍ مقبولة في "وعي المجموعة" وكذلك في "لا–وعيها" عندما يُصبح طابعها آليا كسائر مكونات "الاتفاقيات الاجتماعية" أو "التقاليد"، بقدر ما ترتقي الى مستوى "السُّلّم القِيمي".

فتُبنى ثقافةٌ قائمةٌ عليها (ممارسات+ قٍيم)، خاصة عندما لا تهدد بنية الحُكم التي– من جهتها، تستفيد منها لأنها تساهم في ترسيخها. فكانت "أرضي وفاءٌ ووعود"، و"تونس بلد الفرح الدائم"، و"بالأمن والأمان يحيا هنا الانسان" وغيرها من عناوين ثابتة مزيفة للوعي في جوهرها ومنحرفة عن واقع سريع التطور.

ولما كانت "صناعة الافراح الكاذبة" ثقافةً، فانّ وسائل تحليلها للواقع لا تسمح بـقبول "الافراح الصّادقة"، لانّ هذه الثقافة ليست مؤهلة لمسايرة التطور المُطلق للواقع ولا المساهمة في بنائه؛ تطورٌ يفرز حتما ارتقاءً بالوعي.

فلا استغرب أن يكون خطابُ ثقافة "صناعة الافراح الكاذبة" بمفرداته مُتجها الى الوراء، أي نحو الحقبة التي نشأ فيها منذ عقود، يُكذِّبُ خبر تشغيل "حقل نوارة"…

أخيرا، أعتقد أنّ للنخبة الحالية مهمّة ضخمة في دفع عموم الناس الى تفكيك ثقافة تسطيح الوعي وتعزيز اركان المواطنة المتجهة نحو المستقبل ولا تتصدى للمسار تاريخ لن يرجع الى الوراء…

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات