أنا وموتورو السياسة وسي عبد الحميد الجلاصي

Photo

حين ترأست منذ 3 أشهر تقريبا ندوة أدبية حضر فيها الأستاذ عبد الحميد الجلاصي كتبت لي مسؤولة عن التعليم أنّ جلوسي في المنصّة إلى جانبه لا يشرّفني واتّهمته بالإرهابيّ وبعقل النهضة المدبّر. أجبتها آنذاك أنّي لا أعرف أنّ القضاء قد وجّه تهمة الإرهاب له، وأنّ المحاورات التي وقعت كانت أدبية خالصة تتعلّق بأدب السجون، وبأنّي أومن بالتعدّدية والتنوّع وجمالية الاختلاف ولا أرى لنا مصيرا غير ذلك، كما لا أرى الحلّ يكمن في الإلقاء بالإسلاميين في البحر كما يتمنى البعض أو الكثير ( لا أعلم ) وأنّ فاشيتها لا تفضي لغير الاحتراب.

يكفي أن تتحوّل بعض الكلمات إلى رصاص حتى تكون الحرب الأهلية التي لن نعلم إلى أيّ مصير مجهول ستدفعنا. وقلت لها أيضا إني أعرف أني أدفع ثمن قناعاتي التي تجعلني أنفتح على الجميع، ما لم يكن قاتلا أو سارقا، وأنّ الثمن باهض، وقد يكون الإقصاء من مدارات الثقافة والأدب التي يشترط فيها أحيانا أن تشتم الإسلاميين ليلا نهارا.

كنت أنطلق من إيماني بإنّ الحوار يكون حتى مع الشيطان ( الشيطان يمكن أن يكون أيّ أحد فينا، لا أحد ملاك ) ما لم يكن عنيفا. فالعنف في نظري هو نهاية مرحلة الأنسنة وبداية الدوعشة. وهو الفعل الهمجيّ الذي ينهي كلّ الأشياء الجميلة بيننا ليبدأ التوحّش واغتصاب المعاني.

وبعد مواجهة مطولة تدخّل فيها أصدقاء آخرون انتهى الأمر بحذفي من قائمة أصدقائها، وبالسخرية مني على صفحتها.

تلك الليلة لم أنم. كان عندي شعور بأنّ هناك حربا مؤجّلة.

البارحة حين أرسل لي بعض الأصدقاء فيديو تعنيف السيد عبد الحميد الجلاصي لم أستغرب. هناك من يورّث كلّ هذه الأحقاد السبعينية والثمانينية ( نسبة إلى الجامعة في السبعينات والثمانينات ) إلى الأجيال الجديدة التي يتشوّه بعضها فيتحوّلون إلى متدعوشين حقيقيين يمينا ويسارا.

وتوريث الأحقاد يتمّ بطرق عديدة. منها الإعلام، ومنها المثقفون، ومنها المتأدلجون. ومنها التجهيل. ومنها الأزمة الأخلاقية.

عالقون نحن في نفس اللحظة التاريخية. نعيد إنتاجها كلّ مرة في شكل جديد وحدث جديد، لم نتقدّم خطوة في تاريخ العنف الإيديولوجي عن ذلك اليوم الذي حضرته بنفسي: يوم 30 مارس ذات سنة ثمانينية .

ومازلت أذكر أحدهم، وقد أصبح الآن شخصية سياسية،يحمل بيده سكينا ويجري، والطلبة يفرّون، بعد أن تمّ إشعال النار في ساحة الكلية.

عالقون نحن في صراع صنعته الآلة النوفمبرية بين " تقدميين " و"ظلاميين" ومازالت صناعة كراهية الإسلاميين وصناعة كراهية اليسار في المقابل، النار التي ستأكل الكثير من وقتنا وجهدنا. لقد تركت المنظومة القديمة من يعوّضها في تخريب كلّ شيء. وفي تخريب الفكر خاصة الذي يصنع الروح والعقل. تركت ذواتا مشوّهة متطبّعة بطبائع الاستبداد. قادرة على تدمير كل شيء. وهي أحد عوائق تقدّمنا بعد الثورة.

سيقرأ العقلانيون النصّ وسيغمضون عيونهم عن كلّ شيء ولن يذكروا سوى أمر واحد فيبرهنون بذلك على أنّهم لاعقلانيون جدا. وسيفهم السطحيون أنّه انحياز وأني أدافع عن شخص. ولن يدركوا أني أدافع عن وطن لا أريد له الاحتراق بنار كراهيتهم.

ذك هو العمى الإيديولوجي.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات