حين امتلأت عيناي بالدموع: يا سيدي علي البدوي قم لهم من قبرك

Photo

قلبي حزين "قد هكة" على التعليم العمومي، حتى حين قال أبي للمعلمين وأنا صغير "قد القط"، هش وهزيل: "اقتلوه وحاسبوني بجلده"، أنا ثمرة أنموذجية للتعليم العمومي، وإلا لكنت ما زلت راعيا أميّا في الجبال القاسية شمال مدينة الكاف بأربع زوجات مثل جدي، اثني عشر ولدا وستة عشر كلبا.

ذات يوم، أتاحت لي الدراسة أن أرى إفريقيا بصحاريها وغاباتها كما تراها الملائكة من السماء، ملأت عيناي الدموع، بكيت لأني تذكرت أبي والمدرسة العمومية، اعترف لي أبي يوما ونحن على الطريق الأسبوعية إلى البيت: "ذلك حتى لا تكون بغلا مثل أبيك".

باع أبي رحمه الله أفضل جديانه لأجل أن أدرس ولم يستمع لإغراءات روحه البدوية الصادقة في أن أكون شريكه في تلك الأشياء الممتعة: زراعة الأرض الجبلية المحصنة ضد الحضارة في تلال سركونة الثلجية الأزلية، صيد النحل في الغابات ونصب الفخاخ من سبيبة الخيول للحجل والأرانب البرية.

أودعني أبي عامين مع مؤونتي وملابسي وأنا في صغير "قد القط" عند خالته لخوفه من أن تأكلني الثعلب، انتقل بنا أبي من ملاك أرض إلى حطاط في أرض الناس عندما أكلت الذئاب صديق طفولتي في المدرسة "جمال ولد جفال" على طريق المدرسة، ولم نعثر منه سوى على ما يتركه أنف الذئب في ما بقي من فردتي البوط البلاستيك.

حتى اليوم، لا أملك أي تفسير للسر الذي يدفعنا، نحن الريفيون القادمون من ظلام الفجر والأودية الهائجة في زمن الفيضانات إلى التفوق الدراسي في تلك الأيام الشاقة، حتى أني فزت بعدة جوائز من يد بورقيبة الذي كان يقضي عندنا شيخوخة أزلية مزعجة، ما أذكره عن ذلك الزمن الغابر أن معلمنا "سيدي علي البدوي" كان يلاحقنا لإنقاذ ما أمكن منا في دروسا مجانية في السادسة ابتدائي وأن أستاذ الرياضيات للباكالوريا اليوم يصبح حاضرا وجاهزا وجميلا، متفهما واسع البال في الدروس الخصوصية فقط: "20 دينارا للحصة، لا غير".

بعد قرابة نصف قرن، من حقي أن أقارن بين مدرسة الأمس ومدرسة اليوم من حيث المبدأ، حيث "إما أن يحصل السادة الأساتذة على طلباتهم تضاف لها الدروس الخصوصية الإجبارية وإلا، على الموسم الدراسي السلام"، هل يمكن لهذه المدرسة أن تساوي بين الفقراء والأغنياء ؟ هل يمكن لها أن تصنع حلم الأطفال بعالم أوسع ؟

يا سيدي علي البدوي، قم لهم من قبرك،

"يا عصابة السراق، التصعيد التصعيد…"، (شعارات نقابية في وزارة التربية.)

أنا مع التصعيد حتى دمار الموسم الذي لم يعد موسما حتى بمقاييس التعليم في جمهورية خنفشاريا، عندي مشاعر مازوشية من باب بما أننا اتخذنا، اتخذنا في "الفلذوذات"، فالأنسب للتي شنعت أن تكمل ليلتها، لتكون الشنعة واضحة،

وبما أن أحد أصدقائي في نقابة الثانوي أطلق في وجهي نيران الكره حين شكوت له تشرد أبنائنا وبناتنا في الشوارع: "لسنا محضنة الفلذوذات متاعك، نحن أساتذة"، وبما أن نقابيا آخر كتب هنا: "أخيرا اكتشف التونسيون أن عندهم أبناء"، على أساس أننا قبل قدومه إلى التعليم العمومي،كنا نقترضهم من كارفور في الأعياد، فإن الأنسب لنا هو أن نستسلم تماما لخرافة طفولتي الشهيرة: "كليني أيتها الحمراء ذات الأذنين"،

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات