بعد الثورة خير... لأنّنا أصبحنا نطرح الأسئلة دون خوف

Photo

بعض الكلمات تبدو واضحة لكثرة تداولها من طرف أناس مختلفة اهتماماتهم وتخصصاتهم وأنماط عيشهم. ومن بين هذه الكلمات كلمة "ثورة"، التي يصعب العثور على تصوّر مُتفق عليه لها. ويحصي البعض تعريفات للثورة ليصل إلى أكثر من 70 تعريفا.

وقد اشتهرت بعض النظريات لكتاب ومُفكّرين حول مفهوم الثورة حتى غدت آراؤهم وأفكارهم مرجعيات للحديث عن الثورة والتنظير لها. ما يجري في تونس وفي المجال العربي بشكل عام لا يُمكن مُقاربته بنظريات ومرجعيات صيغت في سياقات جغرافية وتاريخية وثقافية أخرى.

إنّ الضعف والجمود في مُستوى التنظير والإشتغال على المفهوم عربيا. إذ قلّة من المُفكّرين والمُثقّفين الذين تناولوا ظاهرة "الثورات العربية" بالدرس والتحليل أكاديميا: ثقافيا واجتماعيا وسياسيا (موجود ولكن بقلة). ولم تتشكّل في النطاق العربي إرادة فكرية اجتهادية تحاول دراسة فكرة "الثورة" وتحليلها على الطريقة التي جرت عند الأوربيين (فرنسا وروسيا على وجه الخصوص) ومكّنتهم من القبض على هذه الفكرة والتعامل معها بمعرفة ودراية والاستفادة من سيرورتها وميكانيزماتها.

والسؤال المعرفي الذي يُطرح اليوم في هذا الشأن، وكان ينبغي أن يُطرح منذ سنتين أو ثلاث، لماذا لم تتحوّل "الثورة" من كلمة إلى مفهوم؟

والمقصود: لماذا لم تتحول "الثورة" من مجرّد كلمة نستعملها في أول الجملة أو في آخرها، بحسب موازين اللغة العربية، للتعبير عن موقف سياسي يجعلنا خارج عملية الفرز، إلى مفهوم يتجاوز نطاق اللغة الضيق، والمعنى الحرفي المحدود، ويتعالى على الدلالات الحسية المباشرة والقريبة، ليعبّر عن واقع اجتماعي وثقافي، ويستند إلى عناصر مركبة، وتتحدّد له هوية يُعرّف بها، وتكون دالة عليه، ومتلازمة معه؟

لماذا لم تتحوّل "الثورة" من الحسّي والعاطفي والإنفعالي إلى الذهني والعقلاني، ومن البسيط إلى المركّب، ومن الفردي إلى الاجتماعي؟ ومن الثابت إلى المُتحرّك؟ ما المقصود ببعد الثورة خير؟

عملية جرد بسيطة للتصورات والشعارات على الفايسبوك وتحليل صغير للخطاب اليوم في الشارع تفهم دون عناء أنّ لكلّ "ثورته"... وكلّ جماعة لديها عناصر ذاتية تُعرّف بها "الثورة" وكل جماعة تُحدّد موقفها من "الثورة" حسب ما حققته من أهداف "خاصة" بها.

الشارع اليوم لم يكن من أجل إحياء ذكرى "الثورة" (وإن كان هذا المُعلن) ولكن من أجل تحقيق أهداف "الجماعات" المُتصارعة حول السلطة... كانت استعراض قوى لتحسين شروط التفاوض.... غدوة كلّ جماعة تُفاوض بما حققته اليوم من عملية تجييش الشارع.

ربما هذا يدخل في ديناميكيات الحراك الاجتماعي الذي أحدثته "الثورة"... يعني موش بالضرورة يكون شيء سلبي....

لكن تعالوا نُطوّر مستويات النظر إلى "الثورة" ونُغيّر منحى التفكير في أشكال التعاطي معها.
تعالوا نؤسس منصة معرفية في نطاقنا المحلي (التونسي على الأقل) يمكن البناء عليها، والإنطلاق منها أو حتى الإستئناس بها.

بعد الثورة خير……………… لأنّنا أصبحنا نطرح الأسئلة دون خوف.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات