أوهام الإصلاح والثورة : من الطابق الأرضي إلى البناء التراكمي

تقدّم تونس نفسها منذ قرن ونصف بلدَ الإصلاح في العالم العربي: أوّل دستور، وأوّل مدرسة حديثة، وأجرأ مجلة للأحوال الشخصية. وقدّمت نفسها منذ 2011 بلدَ الثورة التي نجت من الخراب. لكن الحصيلة مؤلمة: إصلاحات كثيرة وتحوّل قليل، وثورة أسقطت النظام وأبقت البنى، فقر و جهل في مستويات غير مقبولة.

وهمان متقابلان

عاشت تونس بين وهمين. وهم الإصلاح: أن نغيّر دون أن نمسّ الأسس. أُبعد خير الدين فتوقّف مشروعه، وأُقصي الطاهر الحداد، وهُدمت تجربة التعاضد كلها دون تقييم، وجاءت الإصلاحات الاقتصادية مُملاة من الدائنين. ولم يقترب أيّ إصلاح من نسيج اقتصادي يعيش من الوساطة والتوريد والمناولة، ولا نسمّيه «برجوازية وطنية» لأنه لم يحمل يومًا مشروعًا وطنيًا للإنتاج. كان الإصلاح ترميمًا بلا قطيعة.

ووهم الثورة: أن نظنّ أن لحظة القطيعة تكفي. رفعت انتفاضة 2011 شعار «شغل، حرية، كرامة وطنية»، فتحقّقت الحرية وتأجّل الباقي. لم يُمسّ الريع، بل تغيّر المستفيدون منه. ثم عادت مفردة «الثورة» بعد 2021 لغةً للحكم تبرّر الإستبداد و الظلم مع محاولة بائسة لإعادة كتابة تاريخ ثورة كانت تريد قطيعة بلا بناء.

لماذا نهدم ما نبني؟

يصف ابن خلدون أهل البداوة بأنهم يقتلعون حجارة البيوت ليجعلوها أثافي وهي الحجرات الثلاث التي توضع فوقها القدور. يهدمون البناء ليطبخوا وجبة واحدة. وهذه صورة عقلنا السياسي: عقل غير تراكمي، كل غالب فيه يهدم ما بناه المغلوب، فلا يتجاوز البناء الطابق الأرضي. هدم بورقيبة ما قبله، وأزال بن علي تمثال بورقيبة، وحلّت 2011 ما قبلها، وهدمت 2021 مؤسسات 2014، و إتخذت شعار عدم الرجوع إلى الوراء متناسية أنها تصف عملية هدم ممنهجة.

لكن هذا ليس قدرًا. فقد صمدت الدولة بتنظيمها و صمدت الأربع مجلات القانونية و صمدت مجلة الأحوال الشخصية والمدرسة العمومية نسبيا عبر كل الأنظمة إلى اليوم، لسبب بسيط: وجدت من يحميها. لا يُهدم إلا ما لا يحميه أحد. وهنا جوهر المشكلة: لم تتشكّل في تاريخنا كتلة اجتماعية (أو قوة) واسعة ترى مصلحتها في التحوّل وتدافع عنه. جاءت الإصلاحات من فوق، وجاءت الانتفاضات من تحت بلا برنامج، وفي الحالتين لم يكن هناك من يحمي البناء.

ومن هنا أيضًا محافظة المجتمع. يقول المثل: «شدّ مشومك لا يجيك ما أشوم ». ليست هذه طبيعة ثابتة، بل ذاكرة لتغييرات فشلت وجاءت بلا ضمانات. والناس يقبلون التغيير حين يُحمَون من كلفته، وحين يرون نتائجه بأعينهم.

ثورة عقلانية بأدوات ديمقراطية

لا نحتاج إلى إصلاح آخر يُضاف إلى سلسلة الإصلاحات المُجهَضة، ولا إلى لحظة عنف جديدة تنصّب غالبًا مكان غالب. نحتاج إلى ثورة عقلانية: قطيعة مع منطق الغلبة الرديئة والريع والتمكين والمركزية، دون هدم ما صحّ من الأساس. نبني على اللبنات الصحيحة، ونغيّر الفاسدة، ثم نراكم نحو المستقبل. فالثورة لا تُقاس بعنفها بل بمعاييرها المقترحة :

- بعمقها : هل يمسّ التغيير قواعد توزيع السلطة والثروة و خاصة المعنى، أي من يقرّر، ومن يملك، ومن يحدّد ما هو مشروع ومقبول؟ أم يكتفي بتعديل السياسات داخل هذه القواعد؟ هذا هو المعيار الحاسم.

- بفاعليها: هل يأتي التحوّل من فوق، من نخبة حاكمة أو جهاز دولة، أم من تحت، من قوى اجتماعية منظّمة؟

- بعقلانيتها : بمدى إستجابة محتوى التغيير للتقييم المسبق و للتسطير المستقبلي و اللذان يخضعان لمنطق العقلانية في أهدافها و إنجازها؟

- بإيقاعها: هل هي قطيعة في لحظة واحدة، أم تراكم عبر الزمن؟

- بشرعيتها: هل أن التغيير يقع داخل الإطار القانوني القائم، أم خارجه ؟

بهذه المعايير تصبح الثورة تحوّلًا في البنى العميقة، ويصبح الإصلاح تعديلًا داخل هذه البنى. والنتيجة الأولى أن الحديث عن «ثورات ضرورية» لا يعني دعوة إلى العنف، بل إلى تحوّلات بعمق ثوري تُنجز بأدوات ديمقراطية. والثانية أن ما يُقدَّم «مسارًا ثوريًا» لا يستحق التسمية إذا أعاد إنتاج البنى بوجوه وخطاب مختلفين.

المواضيع أو المجالات التي تحتاجها بلادنا اليوم تحمل عنوان "السبعة ثورات الضرورية" و عناوينها التي تحمل كلمة "ثورة" بهذا المفهوم المقدم للتعبير عن عمق التغيير المطلوب :

1. ثورة المعرفة والتربية:

مدرسة تعلّم التفكير لا الحفظ، ونقاش حرّ حول علاقتنا بالتراث والحداثة، وانخراط جادّ في عصر الذكاء الاصطناعي، فالأمية المعرفية اليوم أخطر من الأمية الأبجدية، هنا مكمن السيادة الحقيقي.

2. ثورة مؤسساتية :

دستور محصّن، وإدارة محايدة لا تُقتسم بعد كل انتخاب، ومعارضة لها حقوق، حتى تصبح الهزيمة محتملة فلا يحتاج الغالب إلى الهدم، و أجهزة دولة في خدمة الصالح العام حصريا،

3. ثورة تنظيم الدولة و التهيأة الترابية و العمرانية :

بإعتبار خلق الثروة يبدأ بإعادة النظر في تنظيم السلطة والموارد بين المركز و عمق البلاد.

4. ثورة لهيكلة إقتصاد وطني :

في قطيعة مع الريع والوساطة، والانتقال إلى اقتصاد إنتاج مفتوح للمبادرين و منظومة مصرفية إدماجية.

5. ثورة للمساواة الفعلية:

صحة وتعليم وخدمات قريبة من كل مواطن، وحقوق لا إعانات.

6. ثورة لثقافة التجديد و الإبتكار :

سيادة طاقية بالشمس والريح، وبحث وابتكار، و إستغلال لكفاءات تعود أو تنتج و تشارك في عصر الذكاء الإصطناعي.

7. ثورة ضد التفاوت الجيلي:

شباب شريك في القرار.

البناء التراكمي المشترك

لم تنجح أيّ تجربة تحوّل في العالم دون كتلة حاملة بُنيت قبل الوصول إلى السلطة. في السويد تحالف العمال والفلاحين ثم النقابات وأرباب العمل فبنوا دولة الرفاه. وفي جنوب إفريقيا بدأ كل شيء بميثاق مشترك. وفي إسبانيا اتفقت القوى المتخاصمة على قواعد اللعبة قبل أن تتنافس داخلها.

عرفت تونس توافقات تاريخية مشهودة و هذه قوة ثقافتنا السياسية التي يتناساها الكثيرون اليوم. المطلوب اليوم : تفاهمات أساسية حضارية تحمل طموحا وطنيا موحدا بإختلافاتنا. تفاهمات غير تكتيكية، و ليست تقاسمًا ظرفيًا أو تحالفًا ضد خصم مشترك. ما نحتاجه توافق استراتيجي على طموح مشترك، وعلى ما لا يُهدم أيًّا كان الغالب.

والحاملون موجودون: الطبقات الوسطى المتراجعة، والجهات المنسية، و رجال المال و الأعمال المجتهدون والشباب، والمبادرون المقصيّون، والقاعدة النقابية، والكفاءات في الداخل والخارج. ما ينقصهم برنامج مشترك وتنظيم وثقة.

ويبدأ البناء المشترك بخطوات واضحة. أوّلها أن نتّفق على ما لا يُهدم: الحريات، والطابع المدني للدولة، والمكتسبات التي صمدت، وقواعد التداول. وثانيها أن نصوغ طموحا مشروعا لبلدنا في هذا العالم المتغير، يقدّم للناس أجوبة ملموسة لا شعارات. وثالثها أن نتجذّر في الحياة اليومية، في الحيّ والجهة والنقابة والجمعية، وأن نحقّق انتصارات صغيرة تُثبت أن التغيير ممكن وأنه لن يكون «أشوم» مما هو قائم. ورابعها أن نصبر، فكل التجارب الناجحة احتاجت إلى سنوات طويلة من العمل المتواصل في نفس الإتجاه.

وهذا التماسك الداخلي هو أيضًا شرط السيادة. فالنخب المنقسمة تستدعي الخارج حكمًا بينها، وكل طرف يبحث عن راعٍ يسنده ضد خصمه. أما الجبهة الداخلية المتماسكة فتتفاوض مع محيطها و تجد حلولا فيما بينها.

السؤال المطروح على جيلنا بسيط: هل نبني هذه المرّة طابقًا ثانيًا، معًا، على ما صحّ من الأساس؟

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات