الضفة الغربية تحت إرهاب المستوطنين.. لماذا يستمر الإفلات من العقاب؟

عنف المستوطنين يتصاعد.. هل تُمهّد الاعتداءات لتهجير الفلسطينيين؟

من الاعتداء على المزارعين الفلسطينيين إلى ضرب رئيس بلدية فرنسي أمام دبلوماسيين أوروبيين، يتصاعد العنف بالتزامن مع موسم قطاف الزيتون. فهل تحولت اعتداءات المستوطنين إلى أداة لفرض السيطرة على الأرض وتهجير الفلسطينيين، في ظل ضعف المساءلة واستمرار التوسع الاستيطاني؟

لم تعد اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية المحتلة حوادث معزولة يمكن فصلها عن سياقها السياسي والميداني. فمع انطلاق موسم قطاف الزيتون، تصاعدت الهجمات على المزارعين الفلسطينيين وأراضيهم وامتدت إلى صحفيين أجانب ومسؤولين ودبلوماسيين أوروبيين، في مشهد يعيد طرح سؤال جوهري: لماذا يتزايد هذا العنف، وما علاقته بتوسع المستوطنات والقيود المفروضة على الفلسطينيين؟


…

في 17 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تعرض برنار بودو، رئيس بلدية أولنوا إيمري الفرنسية، البالغ 78 عاما، للضرب على أيدي مستوطنين إسرائيليين ملثمين في قرية الطيبة الفلسطينية، قرب رام الله. وكان بودو ضمن وفد ضم دبلوماسيين وشخصيات عامة من فرنسا وبلجيكا وبولندا، إلى جانب مزارعين فلسطينيين خلال موسم قطاف الزيتون.

وبحسب صحيفة «لو باريزيان» الفرنسية في تقريرها المنشور في 17 أكتوبر، ركل المعتدون المسؤول الفرنسي ووجهوا تهديدات إلى أعضاء الوفد، كما حطموا زجاج مركبة قنصلية بلجيكية.

الحادثة جاءت بعد يوم واحد من اعتداء عنيف على المصورة الصحفية الأميركية هايدي ليفين، خلال تغطيتها موسم قطاف الزيتون لصالح صحيفة «واشنطن بوست» في خربة أبو فلاح وأصيبت ليفين بكسور وجروح استدعت خضوعها للعلاج.


…

لكن الاعتداء على صحفيين ودبلوماسيين، على خطورته، ليس سوى الوجه الأكثر ظهورا لأزمة أوسع يعيشها الفلسطينيون في القرى والمناطق الزراعية، حيث تتقاطع الهجمات مع تخريب الممتلكات وعرقلة الوصول إلى الحقول وتدمير المحاصيل وتهجير تجمعات سكانية.

موسم الزيتون.. حين يصبح الوصول إلى الأرض معركة

يمثل قطاف الزيتون مصدر رزق أساسيا لآلاف الأسر الفلسطينية، كما يرتبط بالأرض والهوية والذاكرة الجماعية. ولذلك، فإن منع المزارعين من الوصول إلى أشجارهم لا يعني خسارة موسم زراعي فحسب، بل يهدد استمرارية وجودهم الاقتصادي والاجتماعي في مناطقهم.

وتكشف بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) حجم التصعيد. ففي تقريره الإنساني الذي يغطي الفترة حتى 15 أكتوبر، والمنشور في 19 أكتوبر 2026، أفاد المكتب بتوثيق 199 اعتداء مرتبطا بموسم قطاف الزيتون بين الأول من سبتمبر/أيلول و12 أكتوبر، أسفرت عن مقتل فلسطيني وإصابة 124 شخصا، فضلًا عن إلحاق أضرار بأكثر من 2500 شجرة وشجيرة.

عدد الاعتداءات المسجلة خلال هذه الفترة تجاوز حصيلة موسم 2025 بأكمله، حيث بلغت 185 اعتداء، تشمل الاعتداء الجسدي على المزارعين وإتلاف الممتلكات الزراعية والاستيلاء على المحاصيل وحرمان أصحاب الأراضي من الوصول إلى بساتينهم.

تكرار الهجمات وفرض قيود على الوصول إلى الأراضي وتدمير الأشجار حوّل النشاط الزراعي نفسه إلى مخاطرة ويدفع العائلات إلى التخلي عن حقولها أو تقليص اعتمادها عليها.


…

في تقرير نشرته في 20 أغسطس/آب 2026، قالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن عنف المستوطنين والقيود المفروضة على الفلسطينيين أسهما في تهجير تجمعات فلسطينية من مناطقها. وأشارت المنظمة إلى أن 107 تجمعات فلسطينية، تضم نحو 5900 شخص، تعرضت للنزوح الكلي أو الجزئي منذ يناير/كانون الثاني 2023.

وربطت المنظمة هذا المسار بتوسع الاستيطان والسياسات الحكومية، مشيرة إلى أن الهجمات تشمل الاعتداء الجسدي والتهديد وإحراق الممتلكات وسرقتها وإتلاف المحاصيل، فضلا عن التضييق على الوصول إلى الأراضي الزراعية ومناطق الرعي.

وفي بيان نشرته في 19 أكتوبر/تشرين الأول 2026، اعتبرت منظمة العفو الدولية أن الاعتداءات على المزارعين الفلسطينيين، إلى جانب القيود العسكرية على الوصول إلى بساتين الزيتون، تفرض خسائر اقتصادية وإنسانية كبيرة على السكان. ودعت المنظمة الدول إلى اتخاذ إجراءات عملية لدعم المساءلة ومواجهة الانتهاكات.

كما ربطت المنظمة بين تصاعد الاعتداءات وسياسات توسع الاستيطان والقيود على الحركة. وهذه تقييمات حقوقية تستند إلى توثيق المنظمة وتحليلها، وينبغي عرضها بصفتها كذلك، لا باعتبارها حكمًا قضائيًا نهائيًا بشأن المسؤولية عن كل حادثة.

أرقام تتجاوز دلالاتها حجم العنف المباشر، فالسؤال الأهم هو ما إذا كانت الاعتداءات تسهم في تغيير الواقع الجغرافي والديمغرافي للضفة الغربية، عبر جعل حياة الفلسطينيين في بعض التجمعات أكثر صعوبة وخطورة.

الإفلات من العقاب.. الحلقة التي تسمح بتكرار العنف

لا يقتصر تفسير استمرار اعتداءات المستوطنين على دوافعهم السياسية أو التوسعية، بل يرتبط أيضا بضعف محاسبة المسؤولين عنها. فعندما تمر الاعتداءات المتكررة من دون تحقيقات جدية أو عقوبات رادعة، يترسخ لدى مرتكبيها شعور بأنهم قادرون على مواصلتها من دون مواجهة عواقب حقيقية، ما يهيئ الظروف لتكرار العنف واتساع نطاقه.

وتكشف بيانات منظمة "يش دين" الإسرائيلية، المنشورة في يناير/كانون الثاني 2026، أن 93.6% من أصل 1701 ملف تحقيق بشأن جرائم ارتكبها إسرائيليون ضد فلسطينيين في الضفة الغربية منذ عام 2005 أُغلقت دون توجيه اتهام، فيما انتهت 3% فقط بإدانة كاملة أو جزئية.

ورغم أن البيانات لا تشمل القدس الشرقية ولا جميع الاعتداءات على الأرض، فإنها تشير إلى محدودية النتائج القضائية في الملفات التي تابعتها المنظمة.

وتكشف هذه المعطيات عن فجوة بين توثيق الاعتداءات وتحقيق العدالة، في ظل محدودية الملاحقات القضائية وضعف الإجراءات الرادعة الكفيلة بمحاسبة المسؤولين ومنع تكرار العنف.

الاعتداء على الأوروبيين.. هل يغيّر المعادلة؟

حادثة الاعتداء على الوفد الأوروبي في قرية الطيبة بالضفة الغربية، أعادت قضية عنف المستوطنين إلى واجهة الاهتمام الدولي، بعدما طالت مسؤولا فرنسيا ودبلوماسيين أوروبيين، وألحقت أضرارا بمركبة قنصلية بلجيكية. ووفرت هذه الوقائع دافعا إضافيا للحكومات الأوروبية للمطالبة بتحقيقات جدية ومحاسبة المسؤولين عن الاعتداءات.

لكن جنسية الضحايا لا ينبغي أن تحدد حجم الاهتمام الدولي أو سرعة التحرك، فالفلسطينيون الذين يواجهون العنف والترهيب ويخسرون محاصيلهم وأشجارهم وأراضيهم، يستحقون الحماية والعدالة ذاتها.

فهل يدفع الاعتداء على الوفد الأوروبي نحو تغيير فعلي يحمي الفلسطينيين في أرضهم، أم ينتهي الاهتمام الدولي بانتهاء الضجة الإعلامية، لتتواصل الاعتداءات كما كانت؟

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات