الاتحاد يعود الى السياسة !!! تحليل لكلمة الأمين العام …

ملاحظة : الوارد بين ".." مقتطفات من الكلمة حرفيا

رغم تصريحاته السابقة لمسيرة 17 أكتوبر والتي ركزت على مطالبة السلطة بالعودة الى الحوار وإعادة نصب طاولة التفاوض العام ، ستكون كلمة الأمين العام للمنظمة الشغيلة على درج المسرح البلدي ظهر يوم المسيرة إعلانا سياسيا واضحا في مقابل السلطة الحاكمة وفي صف معارضتها دون تردد .

الكلمة التي قراها الأمين العام مكتوبة؛ ما يعني أنها كانت محل تداول بين مكونات الاطار التنسيقي وأن ما ورد فيها من مواقف وأفكار لا يراد له أن يضيع في القاء مرتجل يمكن أن ينسى نقاطا أو يضخم أخرى وقد يقع تحت ضغط مزاج المتكلم وحساباته الذاتية .

كان واضحا أن الكلمة التي تعرضت الى مظاهر الفشل الاجتماعي والاقتصادي ظلت تعيد في كل ردهاتها رسم اللازمة الأساسية التي طبعت كل فقراتها وهي ان : الأزمة سياسية بالأساس ونظام الحكم هو المشكل.

لقد بدت هذه الجرأة " السياسية " لكلمة المنظمة أمرا مخالفا للتوقعات الموضوعية في هذا السياق الوطني العام الذي يتسم بوهن المكونات المدنية والسياسية والقوة الظاهرة للسلطة وخصوصا اثر عملية التحجيم التي خضع لها الاتحاد ضمن حملة التجريف العام التي طالت الأحزاب والجمعيات والإعلام ، وفي ظل الأزمات الداخلية التي مازالت منظمة حشاد تعالج أثارها والتي تخفض من قدرتها التعبوية لخوض غمار " المعركة " بسقوف " سياسية" .

والحق أن هذه " الدوزة " السياسية في الكلمة قد فاجأتني شخصيا بالنظر الى ميزان القوى الوطني الذي تبدو فيه هيمنة السلطة عبر الأجهزة العارية للدولة أمرا لا يشك فيه ملاحظ حصيف في ظل صمت شعبي شامل لا يؤذن بإمكانية تعبئة تعدل الموازين رغم مظاهر الغضب والاحتقان المكتوم .

مما لاشك فيه أن للاتحاد ومكونات الاطار التنسيقي قراءاتهم ومعطياتهم كمؤسسات مسؤولة تستطيع ان تقرا رياح الوضع العام داخليا وإقليميا ولاشك أن إدارة التموقعات في سياق الديناميات والرسائل التي تصدر عن المشهد العام ولاعبيه تفسر بشكل مهم هذا الانزياح اللافت لخطاب المنظمة وردائفها المدنية .

& كثير من السياسة ...قليل من التحفظ !!

انطلقت نبرة كلمة صلاح الدين السالمي بحدة ملحوظة منذ فقراتها الأولى ليعلن " أنّ تونس ....أغلى من أن تُتْرَكَ لمصيرٍ تصنعه قراراتٌ فردية، ولسلطة لا تستمع لغيرها بل لا تستمع إلّا لنفسها. " ..." لأنّ الوطن لا يُدار بالإقصاء، ولأنّ الدولة لا تُبنى بتجميع السلطاتِ في يدِ فردٍ واحدٍ، ولأنّ السيادة لا تصان بإغلاق الأبواب أمام الشعب وقواه الحيّة، وبإلغاء حقّه في المشاركة والتقييم والمساءلة."

وفي إعلان واضح لا لبس فيه ذهبت الكلمة سريعا الى تشخيص الأزمة بماهي " بالأساس... أزمة التفرّد بكلّ السلط، هي أزمة خيارات سياسية خاطئة وشعبوية رعناء ومتعالية، أنتجت أسوأ ما فيها بأن قسّمت الشعب بخطاب الحقد والكراهية والتشويه والتشكيك في كلّ شيء، وانتزعت الوطنيةَ والنزاهة والشرف بتوظيف وسائل الدولة، ممّن عبّر عن حقّه في الاختلاف.... أزمة دولة تُدار بخيارات أفقدت الشعب ثقته في قدرته على الفعل والتأثير، بل جرّدته منها وزرعت مكانها الإحباط واليأس، وحرّضت بصيغِ المَبْنِيِّ للمجهول، الكلَّ ضدّ الكلِّ. "

وفي تفصيل الأداء السياسي للحكم كان تقدير المنظمة للحصيلة بالتأكيد على أنها " العجز والفشل في إدارة جهاز الدولة، والارتباك في مواجهة الأزمات، والانغلاق الذي يزداد كلّما اتّسعت دائرة الفشل، ويزداد إقصاءً وانعزالاً كلّما احتاجت البلاد إلى توحيد جهودها. "

لم يكن التقييم عاما دون أن يحدد المقصود بل ان الكلمة قد حملت حكم الرئيس قيس سعيد وخياراته هذا الفشل إذ دققت بوضوح انه " قد مرّت أكثر من خمس سنوات على 25 جويلية 2021، خمس سنوات من الانتظارات والوعود والأسئلة الثقيلة...مرّت خمس سنوات لم تحمل معها إلاّ الشعارات...( التي ) ... بان زيفُها على مرّ السنوات " .

أشارت كلمة السالمي دون مواربة الى المقوم الأساسي في التسلطية الحاكمة وهو " تجريف الحياة السياسية والمدنية وتهميش الأحزاب والمنظّمات الوطنية والجمعيات، وإضعاف المجال العام، والتضييق على أصوات النقد" وفصلت في مقومات الخطاب الاستبدادي في اعتبار " أنّ الاختلافَ تهديدٌ للبلاد، وأنّ المعارضة خيانةٌ، وأنّ صرخة الباحث عن الحرية عمالةٌ وأنّ الاحتجاج اعتداءٌ على المرفق العام وأنّ مجرّد التفكير في الشأن العام مؤامرةٌ."

& المنظمة وإطارها التنسيقي يرفعون القبضة في وجه 25 !!!

وتبلغ الكلمة ذروة طابعها السياسي حين تحدد الأداة الرئيسية للتسلط والتفرد بالحكم عبر توظيف القوة الأساسية للدولة وتعلن دون تلعثم انه " لا يمكننا اليوم أن نتحدّث عن دولة القانون في ظلّ ما يشهده المرفق القضائي من انحراف بالإجراءات ومن توظيف لتصفية الحسابات وإزاحة الخصوم، وكَيْل الاتّهامات على المقاس، وقبر قرينة البراءة، ولعلّ الإيقاف التحفّظي يمثّل أحد أهمّ عناوين التعسّف في استعمال القانون، في ظلّ الفراغ الذي خلّفه المجلس الأعلى للقضاء، لتستأثر بمهامه وزارة العدل" .

وسوف يكون الخطاب السياسي للكلمة في اوج صراحته حين يلامس تخوم الطعن في الشرعية إذ يشير الى " النكث بالعهد في إرساء المحكمة الدستورية، ممّا زاد من مخاوف ...تأبيد الحكم الفردي."

لم تغفل الكلمة عنصرا مركزيا في سردية سلطة 25 جويلية وهو استنادها على عكاز الخطاب السيادوي لتبرير رفع العصا في وجه المعارضة وتخوينها ولذلك قال الأمين العام بالزمخشرية الواثقة "لن نقبل أن يزايد علينا أحد في وطنيّتنا وحبّنا لأرضنا وشعبنا" و "السيادة ليست شعارا يُرفع في الخطابات، ولا صكّا يمنح للسلطة كي تتصرّف باسم الشعبِ من دون رقابة وشفافية ومساءلة، وإنّ السيادة تعني أن يكون الشعبُ شريكا في تقرير مصيره، وأن تُصان مصالح البلاد في كلّ اتّفاق، وأن يخضع القرار الوطني للمساءلة، وأن تكون العلاقات الخارجية قائمة على الندية والوضوح والاحترام المتبادل." " ومن هذا المنطلق فإنّ الاتفاقيات والترتيبات التي تمسّ مصالح تونس الاستراتيجية، ومنها الملفّات المتعلّقة بالهجرة وغيرها، يجب أن تكون موضع شفافية ونقاش مسؤول، وأن تُوضَّح للرأي العام التونسي شروطها والتزاماتها وانعكاساتها على البلاد، لا أن تبقى سرّا لا يعلمه أحد. ويجدر في هذا الإطار أن نعبّر عن رفضنا لأن تتحوّل تونس إلى حارسٍ لحدودِ الآخرين، وألاّ تُخْتَزَلَ علاقتنا بالعالم في ترتيبات لا يعرف شعبنا تفاصيلها ولا يستطيع تقييم نتائجها. "

& أزمة اجتماعية ..ترياقها حل سياسي !!

لم تغفل الكلمة التفصيل في تشخيص الأزمات الاجتماعية والاقتصادية وفي توصيف " حياة التونسيين اليومية التي تئنّ من وطأة الشطط في الأسعار وتآكل القدرة الشرائية وتفاقم البطالة... " والتي تقتضي منح التونسيين الحق في "بيئة سليمة ومستدامة، وفي مواجهة التلوث الصناعي الذي تسبّب في عديد الأمراض المزمنة."

وتوقفت الكلمة أيضا عند " قطاع الصحّة الغارق في الصعوبات في ظلّ النقص الفادح في الأدوية وتراكم ديون المستشفيات وإفلاس الصناديق الاجتماعية." وعند أزمة تردي الخدمات التي " بلغت خلال صائفة 2026 حدّ تسجيل وفايات في صفوف المواطنين والمساجين من جرّاء انقطاع الكهرباء في ظلّ موجة الحرّ." ولم تغفل أيضا وضعية"المدرسة العمومية وما تعانيه من مخاطر تهدّد بضياع أجيال كاملة " .

واستخلصت ما نتج عن هذه الأزمة الاجتماعية من إحساس بالمعاناة " أشاع جوا خانقا من الإحباط واليأس" ولكن الكلمة سرعان ما تذهب الى السياق السياسي لتخْلُصُ " دون تردد إلى الحقيقة التي لن تمحوها مساحيق العالم، وهي أن الفعل الواعي بمركزة السلطة المطلقة، وتحصينها بفصول من الدستور، لن يمحو الآثار المادية والمعنوية البائسة التي ترسخت في عقل ووجدان كل مواطن، ولن تتلاشى بالتقادم أو بمزيد التضييق على الحريات، وهو ما يقيم الدليل مرّة أخرى بأنّه لا يمكن الفصل بين الأزمة السياسية والأزمة الاجتماعية والاقتصادية " ..

& البرنامج السياسي للمرحلة..من التكتيك الى الاستراتيجيا !!

وبناء على هذه المقدمة والجوهر والاستخلاص الذي حكم الكلمة : الأزمة أزمة حكم دون تردد ولا رمرمة ستذهب الكلمة الى الرئيسي في مطالب الاطار التنسيقي بقيادة المنظمة الشغيلة :

" نريد دولة تصغي إلى شعبها، لا دولة تطلب منه الصمت عن معاناته، دولة تحترم إرادته لا دولة تقصي أبناءها وتعطّل طاقاتهم."

مما لاشك فيه أن هذا " الموقف السياسي " الذي يموقع المنظمة في صف " المعارضة " يحتاج تدقيقا حتى لا يحسب على استعادة للماضي مهما كان لونه وحتى يكون الخطاب "السياسي" للاطار التنسيقي متميزا عن الأطراف الحزبية ولذلك كان لابد من القول : " لا نريد العودة إلى الماضي، ولا تبرئة أيّ طرف من مسؤوليّته، ولا إعادة إنتاج الأخطاء نفسها، بأسماء وشعارات مختلفة. ...كما لا نقبل أن يخيرّ شعبُنا بين منظومة حكم قديمة، وبين منظومة حكم جديدة، لأنّ شعبنا يستحقّ أفضل من ذلك بكثير " .

هذا التموقع النقدي الذي يأخذ مسافة عن المشهد الحزبي لا يبدو تموقعا متوترا ضمن خطابات الاستقطاب الذي تعتمده الأطراف الحزبية الأيديولوجية بل بدا تموقعا عقلانيا يبحث عن التجاوز والتعالي عن الخلافات الصفرية المعطلة والذهاب الى نقطة التقاء وطني جديد ، ويجب أن ننتبه بوضوح الى الجملة المهمة إذ تقول الكلمة : " إنّ مستقبل تونس لا يُبنى باستعادة صراع الماضي، ولا بإدامة انغلاق الحاضر، بل بفتح أفق وطني جديد يقوم على الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية واحترام إرادة المواطنين."

وتضيف الكلمة تدقيقا لطبيعة الالتقاء باعتباره يتم على أرضية "الإنقاذ الوطني" وهو مفهوم سياسي مركزي يؤكد أن الحكم يضع البلاد في وضع الأزمة وان الإنقاذ مهمة القوى الوطنية إذ تقول التنسيقية " أن المسيرة التي جعلنا لها شعارا مركزيا "شغل حرية كرامة وطنية".. تعبير عن حقيقة أساسية: أنّ القوى الوطنية المختلفة تستطيع أن تلتقي حين تكون مصلحة تونس فوق كلّ الحسابات الضيّقة، وحين يصبح إنقاذ البلاد مسؤولية لا يمكن لأيّ طرف أن ينهض بها منفردا."

& هل تبدو الكلمة بسقوفها العالية مجرد خطاب ضمن لعبة الضغوط والتموقعات ؟

هذا ما تجيب عنه الكلمة بقولها أن " الإطار التنسيقي لن يكون إطارا ظرفيّا ينتهي بانتهاء هذه المسيرة، بل إنّنا نؤكّد عزمنا على توسيعه وتطويره، بالانفتاح على القوى الوطنية الحيّة، التي تؤمن بالحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية."

ولكن ابرز ما جاء في فقرة الاستشراف وتحديد المهام المستقبلية قول الأمين العام في كلمته المقروءة : "هذا اليوم بداية ملحمة وطنية متواصلة...التزاما بالعمل المشترك، (لنجعل)من اختلافاتنا مصدرَ ثراء لا سببا للفرقة، ومن مطالب شعبنا برنامجا للنضال السلمي المسؤول." فالحديث هنا عن ملحمة وبرنامج نضالي والتقاء المختلفين على مطالب شعب ما يعني أن الأمر اكبر من لعبة ضغط متبادل .

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات