"نوبل بين آنا و أدونيس و نافي و ترامب":

" كلّ العائلات السّعيدة تتشابه، لكنّ لكلّ عائلة تعيسة طريقتها الخاصّة في التّعاسة"، بتلك الكلمات ابتدأ الرّوائي الرّوسي الكبير ليو تولستوي رائعته الخالدة آنا كارينا، و هي الرّواية الّتي التهمتها الصّغيرة آنا اخنتوفا و هي في بيتها في أوديسا لتنطلق رحلتها في درب الأدب و الشّعر لتصبح أشهر شاعرة في الأدب الرّوسي، كانت آنا تعتمد على أسلوب الوضوح و الواقعية و الدقّة في التّعبير الشّعري ،و مثقّفة عضوية واجهت الاستبداد و القمع السّتاليني فكان نصيبها السّجن و فصلها من اتّحاد الكتّاب السّفيات و حظر منشوراتها بين سنتي 1923 و 1934 كما تمّ إعدام زوجها الشاعر نيكولاي غوميلوف و سجن ابنها الوحيد.

كان شعر آنا اخنتوفا جميلا و ذو رسالة مزعجة للسّلطات،ذو معنى و يبحث عن المعنى و يثير السّؤال لدى القارئ ليبحث عن المعنى و تختمر في ذهنه فكرة و معنى، و قد تجلّى ذلك بوضوح في قصيدة "قدّاس الموتى" الّذي وثّقت فيها معاناة الشّعب السفياتي و الظّلم المسلّط عليه.

الصّور الشعرية الّتي كانت من رحم المعاناة كانت جميلة و تمسّ الوجدان و تستفزّ الوعي و لم تكن موغلة في غموضها الّذي لن يثير سوى مزيدا من الغموض و تتطلّب مفسّرين و محلّلين ينتهون بتفسير الماء بالماء.

كسر القواعد الشعرية و الغموض المفرط صارا شرطين أساسيين للحصول على لقب شاعر عظيم و مبدع و ربّما لنيل جائزة نوبل للأدب الّتي أسندت هذا العام للشّاعرة الكندية آنا كارسون و لم تسند لآنا أخناتوفا في بداية القرن العشرين رغم إنتاجها المعتبر الّذي جعلها أشهر شاعرة للأدب الرّوسي.

و لم تسند أيضا للشّاعر السّوري أدونيس رغم التزامه بقواعد الكسر و الغموض.

أثار عدم اختيار أدونيس و تفضيل آنا كارسون لغطا و نقاشا حادّا بين فريقين من الشّامتين و الممتعضين من قرارات لجنة نوبل واصفين إيّاها بالحيف و فقدان الموضوعيّة، هؤلاء كما أدونيس كان لهم موقف سلبيّ من الثّورة السّورية و مرجع ذلك أصابتهم برهاب الإسلام السّياسي و خشيتهم من الاستبداد الدّيني.

لست خبيرا في الأدب و الشّعر لكنّي أميل إلى الوزن و القافية و إلّا تحوّل إلى نثر مقطّع و صار بإمكان أيّ كان أن يصبح شاعرا عظيما حتّى و لو التجأ إلى التّلاعب بالكلمات و الإيغال في الغموض، كما اعتقد أنّ الشّعر حينما يترجم يفقد شعريّته مهما أتقنت عمليّة التّرجمة لذلك لا يمكن قراءة ما كتبته آنا كارسون إلّا بلغتها حتّى لا نتحامل على ما كتبته.

كما أنّ ما يكتبه بعض الشّعراء العرب بلغتهم الأمّ قد تستشفّ فيه إحدى صور التّرجمة لما كتبه شعراء آخرين مثل بودلير و غوثه و كأنّهم تقمّصوهم أو هم نسخة منهم ليحملوا أفكارهم و يروّجوا لها في سبيل تنوير مجتمعات يعتبرونها متخلّفة ظلاميّة تماما كما كان شعار المستعمرين و المستشرقين، و هو ما يجعلنا ربّما أيضا نحتفي بفوز آنا كارسون و نهتمّ به و لا أحد يذكر آنا ماري شيمل الّتي كرّست حياتها الأكاديميّة للدّفاع عن التراث الإسلامي.

قد يتّهم البعض هيئة نوبل بالتحيّز و انعدام الموضوعية لكنّها في النّهاية منحت جائزة السّلام لهذا العام للحقوقيّة الجنوب إفريقية نافي بيلاي المناصرة لفلسطين و الشعوب المضطهدة و لم تمنحها للبرتقالي الأرعن ترامب الّذي فعل كلّ شيء لنيلها و هو من يعتقد بأنّه باستطاعته شراء أيّ شيء، و تلك من بركات الطّوفان و رمية العصا، و لعلّ الطّوفان هو أيضا من بركات الرّبيع العربي و الثّورة التّونسية الّتي كان لها الفضل في إسناد أوّل جائزة لرباعي الحوار التّونسي في سابقة تاريخيّة لم تحصل و ربّما لن تتكرّر، فضل قابله هذا الرّباعي بالجحود و النّكران إذ لم يدّخروا جهدا من أجل إجهاضها و تدمير مسار التحوّل الدّيمقراطي لنجد أنفسنا فيما نحن فيه الآن.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات