بين شماعات الاحتكار والتآمر ووعود التدارك.. المواد المدعمة تغيب ومعاناة التونسي تتواصل
أزمات تتوالى على المواطن التونسي دون أن تترك له فسحة لالتقاط أنفاسه؛ ما إن يخرج من ضيق حتى يجد نفسه في مواجهة أزمة جديدة وما إن يضع حملًا عن كتفيه حتى تُلقى عليه أحمالا ثقيلة. وبين غلاء يطارد دخله، ومواد أساسية تختفي من رفوف المتاجر، ومصاريف لا تكف عن التمدد، تحوّل تدبير شؤون البيت إلى معركة يومية صامتة، يخوضها رب الأسرة وهو يعدّ ما تبقى من راتبه قبل أن يعرف ما يحتاجه أطفاله.
(صورة أرشيفية/فتحي بلعيد/أ.ف.ب)
مواطن مسكين بالكاد تجاوز أثار صيف ثقيل، عانى فيه الويلات جراء انقطاعات متكررة وشبه يومية للكهرباء وندرة في مياه الشرب وفقدان كلي للمياه المعدنية المعلبة من رفوف المتاجر والفضاءات الكبرى وغياب عدد كبير من الأدوية من الصيدليات بالتزامن مع أمراض مزمنة أصيب بها نتيجة تلوث الشواطئ والبحار بمياه التطهير.
(صورة / الأناضول)
لم يكد يلتقط أنفاسه حتى وجد نفسه أمام موسم دراسي جديد يحمل معه قائمة أخرى من النفقات. ملابس وأحذية وحقائب ودفاتر وأدوات مدرسية، وكل واحدة منها تقتطع جزءًا من دخل لم يعد يتسع لكثرة المطالب. عودة مدرسية تزامنت مع قفزة في أسعار اللحوم والخضر والغلال، حتى باتت أغلب المواد الاستهلاكية الضرورية بعيدة المنال.
معاناة التونسي لم تتوقف عند ارتفاع الأسعار، فتواصل فقدان المواد الاستهلاكية المدعمة مثل السكر والزيت والشاي والدقيق والقهوة وهي مواد يفترض أن توفرها منظومة الدعم بأسعار تراعي محدودي الدخل، تضعه أمام رحلة أخرى لا تقل قسوة: أين السكر؟ أين الزيت النباتي المدعم؟ هل وصلت القهوة؟ هل توجد علبة شاي؟.
وقد يمضي رب الأسرة نصف يومه في البحث عن كيلوغرام من السكر، فإذا عثر عليه بدأ رحلة جديدة بحثًا عن لتر من الزيت، قبل أن يسأل في متجر ثالث عن القهوة أو الشاي أو كيس طحين. لا يبحث عن الكماليات، ولا يريد تخزين المؤن، وإنما يحاول فقط أن يجد مواد يفترض أن تكون في متناول العائلة التونسية دون هذا العناء كله.
وهنا تتضح المفارقة الأكثر إيلامًا: في بلد توجد فيه منظومة دعم يفترض أن تحمي القدرة الشرائية، يصبح العثور على أغلب المواد المدعمة في حد ذاته مشقة. فالدولة لا تقف بعيدًا عن هذه المنظومة؛ بل تتولى، عبر مؤسساتها، أدوارًا أساسية في توريد عدد من المواد وتنظيم مسالك توزيعها. ومع ذلك، يبقى المواطن أمام السؤال نفسه كل يوم: إذا كانت المواد موجودة، فلماذا لا تصل بانتظام إلى رفوف المتاجر؟ وإذا كانت الكميات متوفرة، فلما لا تصل الى المستهلك؟
الخبراء: أزمة واحدة.. قراءتان مختلفتان
وفيما يحذر خبراء اقتصاديون من أن مخاطر الندرة لا تزال قائمة منذ سنوات بفعل عوامل هيكلية ومالية، أبرزها اضطراب منظومة التخزين والتوزيع ورفع الدعم عن بعض المواد الاستهلاكية وعدم رصد ميزانية للتوريد، يكتفي المسؤولين الحكوميين بنفي وجود أزمة، مؤكدين توفر كميات من السكر والقهوة والأرز والشاي تكفي لفترات متفاوتة.
في المقابل، تذهب الرواية السياسية التي يتبناها الرئيس قيس سعيد إلى الحديث عن "أعمال مدبرة" هدفها تأجيج الأوضاع ونشر الإرباك. وتجد هذه الرواية صدى لدى أنصاره على مواقع التواصل الاجتماعي الذين يتهم بعضهم المعارضة بالتغلغل داخل الإدارة والتسبب في تعطيل عمل الدولة.
في حديث سابق مع إذاعة إكسبراس (خاصة)، قال أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسيّة رضا الشكندالي، إن أزمة الاقتصاد التونسي تعود أساسا إلى الاختيارات وليس بسبب الموارد، محذرا من خطورة المسار الذي يسلكه الاقتصاد التونسي.
وأكّد الشكندالي أن البلاد دخلت منذ سنوات في منوال مالي غير مستدام يقوم على التداين والضغط الجبائي بدل خلق الثروة والاستثمار، ما يجعل سنة 2026 محطة حاسمة كشف حدود هذا النموذج الاقتصادي الذي يطرح جملة من الإشكاليات الحقيقية التي تستوجب التوقف عندها، وفي مقدمتها مسألة المديونية وعجز ميزانية الدولة والتضخم.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن أزمة المواد الأساسية لا يمكن اختزالها في الاحتكار أو المضاربة، بل هي نتيجة تداخل عوامل هيكلية وتنظيمية ومالية وظرفية. ويضع في مقدمة هذه العوامل اضطراب منظومة التخزين والتوزيع، والخلط بين التخزين التجاري الطبيعي والاحتكار، معتبرًا أن تجريم تكوين المخزونات الاعتيادية أضعف دور الوسطاء الذين كانوا يمثلون، في السابق، «صمام أمان» يمتص تقلبات الطلب ويحافظ على استمرارية التزويد.
كما حذر من أن الضغوط التي تواجهها المالية العمومية ومحدودية السيولة واحتياطات النقد الأجنبي عرقلت تمويل واردات المواد المدعمة، مثل السكر والأرز والشاي، بالسرعة المطلوبة، بما يجعل خطر استمرار الندرة أو تجددها خلال الأشهر المقبلة قائمًا، خاصة مع شح المياه واحتمالات تراجع النمو وارتفاع كلفة الطاقة.
من جانبه، أكد الخبير المالي معز العبيدي، في تصريح للأناضول، أن وضعية الاقتصاد التونسي «غير مريحة»، معتبرًا أن البلاد أمام خيارين: الاستمرار في الوضع القائم مع إصلاحات جزئية، أو الانخراط في إصلاحات جذرية تعالج أسباب الأزمة.
وأوضح أن «ماكينة خلق الثروة معطلة»، ما يجعل التداين خيارًا مفروضًا في ظل غياب رؤية واضحة للاستثمار، وهشاشة الوضع الأمني والعجز الهيكلي في الميزان الجاري، وهي عوامل انعكست، وفق تقديره، على الموارد الجبائية والعائدات السياحية والاستثمار الأجنبي وواردات التجهيز.
واعتبر المتحدث، أن تعطّل الإنتاج، وخاصة الفوسفات، أسهم في دفع البلاد إلى الاقتراض من المؤسسات المالية الدولية والبحث عن آليات تمويل إضافية، محذرًا من أن استمرار الهاجس الأمني والصراع السياسي سيجعل الخروج من الأزمة المالية أكثر صعوبة.
وفي الحالتين، يبقى المواطن هو الطرف الذي يختبر الأزمة بعيدًا عن لغة الأرقام والتوقعات: فالمخزون قد يكون موجودًا، والسلعة قد تكون مورّدة، والنمو قد يتحسن، لكن معيار الأزمة بالنسبة إليه أبسط من كل ذلك: هل يجد السكر والزيت والقهوة والشاي عندما يدخل إلى المتجر، أم يعود إلى بيته خالي اليدين؟
ومن هنا تبدأ الحكاية الأوسع لأزمة المواد المدعمة في تونس؛ أزمة تتداخل فيها اختلالات التزويد والتوزيع، وتتعاقب حولها روايات الاحتكار والمضاربة والتآمر ووعود التدارك، بينما يبقى المواطن عالقًا في نهاية السلسلة، يدفع من وقته وأعصابه ودخله ثمن اضطراب لا يملك أدوات إصلاحه.