بركة الطّوفان

دخل مكتبي و ألقى التّحية بلسان عربي ذو لكنة أجنبيّة، كان شابّا وسيما أشقر رياضيّ البنية ممشوق القوام، ذو وجه بيضاوي مع بشرة فاتحة مشرقة و حبّات نمش تلمع فوق عظمة أنفه و وجنتيه، ذوعينين زرقاوين و شعر ذهبي طويل ربطه في كعكة أعلى رأسه.

استأذنني بأدب لأن يجلس و عرض سبب زيارته، أعراض نزلة برد أصابته في زيارته الأولى إلى تونس. كنت أسأله بانڨليزيتي الرّكيكة عن ماضيه الصحّي و كان يجيب باقتضاب و دقّة بانڨليزيته القحّة.

ديلان شاب في السّابعة و العشرين من عمره ،من مدينة كارديف عاصمة ويلز، أقلع عن التّدخين و تعاطي الحشيش و شرب المسكّرات و مشاهدة البرونوغرافيا منذ سنتين بعد أن كان يعيش حالة شبه إدمان، ليختم حديثه بحمده اللّه على ما آل إليه حاله.

فاجأني حمده كما تحيّته في البداية ليتأكّد ما خامرتني من أفكار و أنا أشاهده يبسط يديه للدّعاء بعد سماعه لآذان صلاة العصر.

و ما زاد في انبهاري حمله لدلاية على شكل خارطة فلسطين كانت تتدلّى من خيط أسود جعله حول رقبته و أخفاها تحت قميصه.

لاحظ ديلان دهشتي الّتي فضحتها ملامحي ليجيبني على الأسئلة الّتي خامرتني و لم أطرحها عليه:" نعم لقد صرت فلسطينيا، أسلمت أخيرا و صرت إنسانا، ابتدأ طرحي للأسئلة و تغيّري منذ بداية حرب الإبادة الأخيرة في غزّة، منذ السّابع من أكتوبر منذ ثلاث سنوات، و صرت على الحال الّتي تراها الآن".

ودّعته بعد نهاية الفحص و قدّمت له وصفة العلاج و قد اعترتني مشاعر متناقضة هي مزيج من الفرحة و الحزن، الأمل و الألم.

فرحتي و أملي بمثل هذا الشّاب من أقاصي الشّمال و مثله الكثيرون و الكثيرات في الغرب "الكافر" و في العالم أجمع، من أدخلهم الطّوفان في دين اللّه دين الإنسانيّة أفواجا.

و حزني و ألمي على قومي"المسلم" من لم تحرّك فيهم تلك الإبادة و الكارثة الإنسانيّة شعرة.

تصوّروا عبثيّة مشهد أن يوجد الآلاف مثل هذا الشّاب ممّن صاروا يناهضون الكيان السّرطاني الخبيث، ممّن يحتجّون و يتظاهرون بكلّ حرّية في حين يمنع التّظاهر أو التّعبير عن التضامن في بعض بلداننا العربيّة من تدّعي مساندتها للقضيّة الفلسطينية و قد يسمح بذلك في قلّة منها ثمّ يسجنون بعد ذلك.

هذا الشّاب هو الإجابة الواضحة الشّافية و الكافية و الفاضحة لأسئلة المحبطين و المثبّطين حول جدوى طوفان الأقصى و يستدلّون في ذلك بحجم الدّمار و الكارثة الإنسانية في غزّة مقابل النّتائج المرجوّة.

هذا الدّمار الشّامل لم يكن ليحصل لولا خيانتنا و صمتنا المخزي و تواطؤنا الخفي و المعلن رسميّا و شعبيّا.

كيف نلوم الضّحية و نطالبها بأن لا تقاوم، بأن تستسلم بل و تستمتع باغتصابها؟

لم يكن ليقع ما وقع لولا تصهين أنظمتنا الرّسمية و هوسها من فكرة المقاومة خوفا على عروشهم و كراسيهم.

لم يكن ليقع ما وقع لولا نخبة وظيفيّة منبطحة كانت نكبة إلّا من رحم اللّه، لولا خطابات مفتيّ السّلاطين اللّذين لم يقدروا على أن يدخلوا النّاس في دين اللّه أفواجا كما فعلت موجات الطّوفان و عصا السّنوار.

لم يكن ليقع ما وقع لولا عجزنا و خضوعنا و انبطاحنا و عبوديّتنا للاستبداد الدّاخلي الّذي التحرّر منه شرط أساسيّ للتحرّر من الخارجي.

لم يكن طوفان الأقصى مغامرة عبثيّة كما يقول أنصار الواقعيّة، واقعيّة الإذلال و الخضوع و تكريس الهزيمة و كيّ الوعي و إجهاض قيامة الإنسان و نتيجته نشاهدها في أجيال بدأت تتغيّر و رأي عام مناصر للقضيّة بدأ يتشكّل بل وصل تأثيره إلى بعض مراكز القرار في دول تعتبر الأشدّ مساندة للعدوّ الغاصب، و لم يقع ذلك بمفاوضات الاستسلام و التّطبيع، بكامب دافيد أو أوسلو أو بالمعاهدات الإبراهيمية، بل ببركة الطّوفان.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات