صالون أمل الثقافي

خرجت أمل من مبنى القناة تجر خيبة أملها إثر طعنة الغدر التي تلقتها في ظهرها من زميلها مقدم البرنامج بعدما رفض إعداد حلقة برنامجهما الأسبوعي "صالون ثقافي" الذي يقدمه، وقبل إعداد آخر للبرنامج لفتاة حديثة في القناة بزعم أن فكرة الحلقة التي قدمتها أمل غير مقبولة، فكيف تُبرأ شخصيات تاريخية لم يعد لها وجود في عصرنا!!؟

ولم يفلح معه أي إقناع بأن هؤلاء الشخصيات ليس هي من أعلنت بَرَاءَتَهَم ، ولكن التاريخ هو الذي أعلن ذلك وجعل منهم رموزاً عالمية للشرف والفضيلة والفكر.

فرَجَعَتْ إلى بيتها وهي تمسّك بالملفِّ الذي يضمُّ إعدادَ الحلقةِ في حسرةٍ، وبدأتْ تَتَجَمَّعُ دموعُ إهانةٍ دفينةٍ في مقلتيها. دخلتْ بيتها وألقتْ بالملفِّ بِوَسْعِ يدِها، الذي سقطَ بدوره على جهازِ الكمبيوتر، وألقتْ بنفسِها على الفراشِ أمامَ المرآةِ. وفجأةً نظرتْ إلى نفسِها ومسحتْ دموعَها وجلستْ وكأنها تُقَدِّمُ البرنامجَ لأولِ مرةٍ بنفسِها. ثم قامتْ وفتحتْ جهازَ الحاسوب(الكمبيوتر) وأعدَّتْ نفسَها للظهورِ (لايف).

سيداتي سادتي، معكم
أمل محمود

لأول مرة تقدم الصالون الثقافي الأسبوعي المعروف الذي كانت هي من تعده طوال السنوات الماضية، وإن شاء الله تكون حلقة مميزة وممتعة. ثم قالت بصوت ثابت يدل على الثقة بالنفس وعينها على كاميرا الكمبيوتر وكأنها أمام كاميرا القناة.

حلقة اليوم عن فلاسفة وأبطال وعلماء اتهموا بالهرطقة لأنهم سبقوا زمنهم بفكرهم فكثير ما ينصف التاريخ المبدعين بعد قرون من الزمان ولكن قبل ما أبدأ اقدم لكم نفسي أولا فأنا لا عندي شهرة ولا منصة.

لكن عندي حاجة واحدة رفضت أفرّط فيها هي كرامتي رفضت أكون نسخة مكررة، رفضت ألبس قناع يريح غيري ويخنقني. اخترت الصدق فكان ثمنه الوحدة والرفض من الجميع لم أقول أني بطلة ولم أطلب أن أكون.

أردت فقط أن أعيش من غير ما أخون نفسي، حتى لو دفعت ثمن هذا وجعًا وصمتًا. التاريخ في النهاية يقدّر من كان صادقًا مع قلبه وروحه فمن أراد أن يكمل معي الحلقة فعليه الأن البدء بالإعجابات .

ثم بدأت الحلقة وهي تقول بصوت رزين: أقدم لكم في مشهد تمثيلي شخصيات هي من تتحدث عن نفسها.

التاريخ أنصفهم بعد قرون وأصبحوا رموزًا خالدة بعدما اتهموا بالهرطقة والجنون.

أولًا: جان دارك – القديسة المحاربة حياتها كانت قصيرة ولكن فاعلة من 1412–1431

فتاة ريفية صغيرة قالت إنها تسمع “أصواتًا” ونداءات من السماء .

قادت الجيش الفرنسي في عمر 17 سنة ضد الاحتلال الإنجليزي. اتهموها بالهرطقة والسحر لأنها قالت إنها “مأمورة من السماء”.

أُحرقت حيّة وهي في عمر 19 سنة، وبعد قرون، تقرر إعادة محاكمتها غيابياً لأنها كانت ماتت منذ عدة قرون، وتم رد الاعتبار لها وتخصيص يوم وطني باسمها بفرنسا، وثم اعتبروها قديسة.

تنهدت أمل قائلة: "خلّينا نسمع جان دارك بصوتها وكأنها حيّة، شجاعة، وهي تبرّر تصرفها أمامنا في الصالون الثقافي". ثم قالت بصوت قوي، مليء بالإيمان واليقين.

"أنا لم أفعل شيئًا من أجل نفسي… أنا لم أبحث عن المجد، ولم أطلب السلطة… كل ما فعلته لأن قلبي سمع صوت من السماء أنا لم أتعلم الفلسفة أو الرياضيات أنا بنت فرنسا البسيطة سمعت صوتًا في قلبي يقول: افعلي ما لم يجرؤ الرجال على فعله. اتبعت النداء… فحرّكت الجيوش، ورفعت راية كانت تجرّها الأرض.

اتهموني بالهرطقة… لأنهم خافوا من امرأة تؤمن بالله . "

"اتهموني بالهرطقة لأن الإيمان أحيانًا يُساء تفسيره من قِبل من لا يجرؤ على سماع قلبه".

وتستكمل أمل أما سقراط — الذي اتُّهم هو الآخر بالهرطقة وأجبر على شُرب السم. فهو الفيلسوف الذي شرب السم دفاعًا عن الفضيلة كان يعلّم الناس طلب الفضيلة والمعرفة الحقيقية.

كان يسأل دائمًا: ما هو الخير؟ ما هي العدالة؟ ما هي الفضيلة؟ فأتهم بإفساد شباب أثينا

الحكم: الإعدام بالسم.

ثم تقمصت صوت رجل حكيم وقالت بصوت حيّ متزن وكأن سقراط هو من يتكلم أنا لم أفسد أحدًا… أنا فقط طرحت الأسئلة، وطلبت من الناس أن يفكروا بأنفسهم. الفضيلة ليست سلطة وليست كلامًا محفوظًا، بل ممارسة مستمرة أنه علم الأخلاق والبعد عن الرذيلة.

"اتهموني بالإفساد لأنهم احبوا الرذيلة وكان صعب عليهم التخلي عنها فأتهموني بالهرطقة لأن الحقيقة دائمًا مُقلقة لمن يخاف من الفهم… وأنا أقبل السم، لكن لن أقبل التخلي عن الحقيقة والفضيلة". وتستكمل أمل بصوتها الرقيق الدرس من هذا سقراط، مثل جان دارك، …

كليهما قالوا الحقيقة قبل أن يكون الزمن جاهزًا لسماعها. الفضيلة، ، الإيمان، … كلها قيم لا تموت، حتى لو حاول البشر إخمادها. كانا سابقين لزمانهما.

جان دارك: سبقت زمانها في مفهوم الوطنية، الإرادة، والقدرة النسائية على القيادة.

سقراط: اتهم بهرطقة أخلاقية لأنه طالب الشباب بالبعد عن الرذيلة التي كانت مباح ممارستها في العلن في ذلك الزمن وأن عليهم أن يتجهوا لما هو أعمق للروح ٠ للفضيلة التي تمحي الرذيلة ثم اعترف العالم وفقا لكل الديانات السماوية بالأخلاق والفضيلة وأن الرذيلة نجاسة تدنس من يفعلها ولكن بعدما حكم عليه بالإعدام بشرب السم .

التاريخ يفتح الدفاتر بعد قرون ويعطي الجوائز بعد الرحيل!

فجأة صمتت أمل بملامح واضح عليها التأثر وتنهدت ونظرت إلى أسفل الشاشة لتتفاجأ بآلاف من الإعجابات وأعداد ضخمة من الرسائل تحييها وأخرى تطلب منها تحديد موعد الحلقة القادمة لأن جميعهم سيكونون في انتظارها بشغف. أغلقت أمل الكمبيوتر وسجدت لله تشكره على هذا النجاح غير المتوقع، ورفعت رأسها إلى السماء وهي تقول: ربي، كثيرًا ما يكون وراء البلاء الظاهر خير في الباطن، فنحن لا نعلم غير الظاهر، وأنت وحدك سبحانك أعلم بالظاهر والباطن، فأنت وحدك علام الغيوب. وقتها دق رنين الهاتف لتجد صوت مدير القناة يقول لها: أمل، رأيت حلقتك لايف، أريد مقابلتك غدًا، فقد قررت الإدارة التعاقد معك على تقديم البرنامج وسيكون باسم صالون أمل الثقافي.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات