قيس سعيد لم يرفض تأسيس حزب لأنه ضد الأحزاب، بل اختار أن يبنيه داخل الدولة: بلا اسم، وبلا مقر، وبلا ميزانية حزبية ظاهرة. من 2434 عضوًا بالمجالس المحلية إلى آلاف المشاركين في الشركات الأهلية وعشرات الملايين وآلاف الهكتارات، تكشف الأرقام منظومة توزع المواقع والمصالح باسم القانون. فهل نحن أمام مؤسسات مستقلة، أم أمام حزب تموله الدولة؟
لا يمكن فهم ما جرى في تونس بعد 25 جويلية 2021 إذا نظرنا إلى كل مؤسسة أو نص قانوني أو مشروع اقتصادي بمعزل عن بقية العناصر. فمجلس نواب الشعب، والمجلس الوطني للجهات والأقاليم، والمجالس المحلية والجهوية ومجالس الأقاليم، ثم الشركات الأهلية، تبدو عند النظر إليها منفردة هياكل مختلفة؛ لكن جمعها داخل صورة واحدة يكشف عن مسار سياسي متكامل يقوم على توسيع قاعدة المشاركين والمنتفعين، وربطها تدريجيا بالدولة وبالنظام الذي أنشأ هذه الهياكل.
الأطروحة الأساسية في هذه القراءة هي أن قيس سعيد لم يمتنع عن تأسيس حزب لأنه لا يؤمن بالحياة الحزبية، بل لأن إنشاء حزب معلن كان سيسقط عنه صفة «المستقل» ويحمله مسؤولية تنظيمه وتمويله وقيادته وقراراته. لذلك حافظ على صورة الرئيس المحايد الذي لا حزب له، واتجه في المقابل إلى بناء منظومة تؤدي عمليا وظائف الحزب، ولكن من داخل الدولة وتحت غطاء القانون.
فالحزب المعلن له اسم ومقر وقيادة ومنخرطون وميزانية وحسابات يمكن تتبعها ومساءلتها. أما النموذج الذي أنشئ بعد 25 جويلية، فقد جعل الدولة مقره، والنصوص القانونية نظامه الداخلي، والميزانية العامة أحد مصادر تمويل هياكله، مع الإبقاء على المشاركين فيه تحت صفة «المستقلين».
من الحياد الظاهر إلى المنطق التجمعي
إن تقديم قيس سعيد بصفته مستقلا لا يعني بالضرورة أن مشروعه بلا مرجعية سياسية أو تنظيمية. فالمرجعية لا تقاس فقط ببطاقة الانخراط في حزب، بل تقاس كذلك بطريقة بناء السلطة وتوزيع المواقع وصناعة شبكات الولاء.
ومن هذه الزاوية، يعيد النظام الجديد، وظيفيا، إنتاج منطق التنسيقيات ولجان التنسيق الذي عرفته تونس زمن التجمع، مع فارق أساسي: الحزب القديم كان موجودا بصورة علنية، أما النموذج الحالي فيعمل من دون اسم حزبي جامع، وتتكفل الدولة نفسها بإنشاء هياكله وتمويلها ومنحها الصفة القانونية.
وبذلك لم يعد المطلوب إنشاء حزب يتولى جمع المنخرطين وتمويل فروعه من موارده الخاصة، بل أصبح بالإمكان خلق مسار سياسي يضم أكبر عدد ممكن من المشاركين، وتمول مختلف حلقاته من ميزانية الدولة أو من الامتيازات التي يقررها القانون.
كما يصعب، وفق هذه القراءة، اعتبار هذا البناء المتدرج مجرد أفكار ارتجلها شخص واحد. فتتابع النصوص والهياكل منذ 25 جويلية يطرح فرضية وجود منظومة تمتلك خبرة في إدارة الدولة، كان قيس سعيد بالنسبة إليها واجهة تنفيذ أكثر منه المهندس الوحيد للمشروع. وقد ساعدت محدودية تجربته الحزبية والتنظيمية على إدخاله في مسار أصبح التراجع عنه شديد الكلفة: إما استكمال البناء كما خطط له، أو البقاء منفردا في مواجهة نتائج ما بدأ يوم 25 جويلية. وهذه خلاصة سياسية تحليلية، وليست ادعاء بامتلاك وثيقة تثبت وجود تنظيم سري بعينه.
هرم سياسي يبدأ من العمادة وينتهي بالبرلمان
حدد المرسوم عدد 55 لسنة 2022 العدد القانوني لمقاعد مجلس نواب الشعب بـ161 مقعدا، موزعة على 151 دائرة داخل تونس و10 دوائر بالخارج. واعتمد النظام الانتخابي الاقتراع على الأفراد بدل القائمات، بما جعل كل مترشح يظهر بصفته الفردية والمستقلة، حتى عندما يكون جزءا من اتجاه سياسي واحد.
لكن قاعدة النظام أوسع بكثير من مجلس نواب الشعب. فقد أحدثت 279 مجلسا محليا على مستوى المعتمديات، تضم في مجموعها 2434 عضوا، منهم 2155 عضوا عن الدوائر المحلية و279 عضوا من ذوي الإعاقة، بمعدل مقعد إضافي في كل مجلس محلي.
وينبثق عن هذه القاعدة 24 مجلسا جهويا تضم في مجموعها 279 عضوا، أي ممثلا واحدا عن كل مجلس محلي، يقع اختياره بالقرعة والتداول كل ثلاثة أشهر. ثم تأتي خمسة مجالس أقاليم تضم في مجموعها 24 عضوا، بواقع ممثل عن كل مجلس جهوي.
وينتهي هذا السلم بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم، المكون من 77 عضوا، منهم 72 عضوا يمثلون الجهات، بمعدل ثلاثة أعضاء عن كل ولاية، وخمسة أعضاء يمثلون الأقاليم.
ولا يجوز جمع أعداد المجالس المحلية والجهوية ومجالس الأقاليم باعتبارها أشخاصا مختلفين، لأن المستويات العليا تنبثق من المستويات الأدنى عن طريق القرعة والتداول والانتخاب. لكن هذا التداخل نفسه هو جوهر البناء: قاعدة محلية تضم 2434 عضوا، ينتقل منها التمثيل صعودا عبر 24 جهة وخمسة أقاليم، لينتهي إلى غرفة تشريعية ثانية من 77 عضوا.
إننا، بذلك، أمام سلم تنظيمي يشبه سلم الحزب: قاعدة محلية واسعة، فتنسيق جهوي، ثم أقاليم، ثم قيادة وطنية. والاختلاف أن هذه السلسلة لم تبن داخل حزب يتحمل مصاريفها، بل أنشئت بقوانين الدولة وتدار عبر مؤسساتها.
كلفة موزعة داخل ميزانية الدولة
قدرت ميزانية مجلس نواب الشعب لسنة 2026 بحوالي 48 مليونا و876 ألف دينار، في حين بلغت ميزانية المجلس الوطني للجهات والأقاليم 24 مليونا و88 ألف دينار؛ أي ما يقارب 72 مليونا و964 ألف دينار للغرفتين التشريعيتين معا. وهذه مبالغ تشمل التأجير والتسيير والتدخلات والاستثمار، ولا تمثل أجور النواب وحدها.
كما أقر الأمر عدد 178 لسنة 2025 منحة تمثيل لأعضاء المجالس المحلية والجهوية ومجالس الأقاليم قدرها 200 دينار عن كل جلسة، في حدود 800 دينار شهريا. وترتفع بالنسبة إلى الأعضاء من ذوي الإعاقة إلى 300 دينار عن الجلسة، في حدود 1200 دينار شهريا، وتحمل هذه النفقات على ميزانية وزارة الداخلية.
وبحساب السقف النظري للمجالس المحلية وحدها، نجد أن 2155 عضوا عاديا يمكن أن تبلغ منحهم القصوى مليونا و724 ألف دينار شهريا، بينما يمكن أن تبلغ منح 279 عضوا من ذوي الإعاقة 334 ألفا و800 دينار شهريا. وبذلك يصل السقف النظري إلى مليونين و58 ألفا و800 دينار شهريا، أي نحو 24 مليونا و705 آلاف و600 دينار سنويا.
وهذا الرقم ليس نفقة منفذة فعليا، لأن الصرف مرتبط بعدد الجلسات والحضور، كما لا يجوز إضافة منح المستويات المتداخلة بصورة آلية. لكنه يكشف حجم الكلفة المحتملة للقاعدة المحلية وحدها، ويؤكد أن تمويل هذا البناء موزع داخل ميزانيات الدولة بدل ظهوره في شكل ميزانية حزب سياسي.
الشركات الأهلية: الذراع الشعبية والاقتصادية
لم يتوقف البناء عند المجالس المنتخبة، بل أضيفت إليه الشركات الأهلية باعتبارها آلية تسمح بتوسيع قاعدة المشاركين والمنتفعين خارج المجالس السياسية المباشرة.
وبحسب المعطيات المقدمة إلى المجلس الوطني للجهات والأقاليم، بلغ عدد المبادرات المسجلة بالسجل الوطني للشركات الأهلية إلى موفى مارس 2026 نحو 791 مبادرة، تضم قرابة 16 ألف مشارك، في حين لم يتجاوز عدد الشركات التي حصلت فعليا على تمويل 75 شركة.
وفي 14 أوت 2026، جرى الإعلان عن بلوغ عدد الشركات المسجلة قانونيا 270 شركة، مع وجود قرابة ألف شركة أخرى في طور الإنشاء. وهذه الأرقام لا تعبر عن المرحلة القانونية نفسها ولا يجوز جمعها، لكنها تكشف حجم القاعدة الحالية والمخطط لتوسيعها.
أما ماليا، فقد جرى تخصيص اعتمادات جملية تناهز 95 مليون دينار لتمويل الشركات الأهلية ضمن قوانين المالية للفترة 2023-2026. ويتضمن هذا المبلغ اعتمادا إضافيا قدره 35 مليون دينار أقره قانون المالية لسنة 2026، مع تمديد العمل بخط التمويل إلى نهاية سنة 2027.
الامتياز أخطر من الراتب
من الضروري التأكيد أن المشاركين في الشركات الأهلية لا يتقاضون جميعا أجورا مباشرة من ميزانية الدولة. لكن ذلك لا يخفف من خطورة المسألة، بل يجعلها، في تقديري، أخطر من مجرد توزيع رواتب.
فقد منح المرسوم عدد 3 لسنة 2025 الشركات الأهلية والمشاركين فيها بصفتهم تلك إعفاء من الضرائب والمعاليم لمدة عشر سنوات، إلى جانب توقيف العمل بالأداء على القيمة المضافة، ونسب فائدة تفاضلية على القروض، وضمان التمويلات بواسطة الصندوق الوطني للضمان.
كما منحت الشركات الأولوية في كراء العقارات الدولية الفلاحية لمدة تصل إلى 25 سنة قابلة للتمديد إلى 40 سنة، مع الإعفاء من معلوم الكراء خلال السنوات الخمس الأولى. وأتيح لها كذلك كراء العقارات التابعة لملك الدولة الخاص غير الفلاحي والملك البلدي الخاص بالمراكنة، فضلا عن استغلال بعض المنتوجات الغابية.
وفي جويلية 2026، أعلنت وزارة الفلاحة إعداد قائمة أولى تضم 38 ضيعة دولية فلاحية مقترحة للكراء لفائدة الشركات الأهلية، بمساحة جملية تناهز 17014 هكتارا، موزعة على عشر ولايات و24 معتمدية.
الراتب المباشر نفقة فردية ظاهرة ومحدودة، وينتهي بانتهاء الوظيفة. أما التمويل والضمان والإعفاء والعقار الدولي، فتخلق مصلحة جماعية طويلة المدى لا تشمل المشاركين وحدهم، بل تمتد إلى عائلاتهم ومحيطهم والمتعاملين معهم.
وبذلك لا يجري استقطاب فرد واحد مقابل راتب، بل تربط شبكة اجتماعية كاملة باستمرار الجهة التي منحت التمويل والعقار والامتياز. والأخطر أن شبكة الولاء لا تتكون فقط ممن حصلوا على التمويل، بل تشمل كذلك مئات المبادرات وآلاف المشاركين الذين ما زالوا ينتظرون دورهم في الانتفاع.
ومع توسيع الشركات وتوزيعها داخل المعتمديات والأحياء، يصبح من الممكن أن يوجد في أكبر عدد من العائلات والمناطق طرف منتفع أو منتظر للانتفاع. وهذا الطرف قد يتحول بحكم المصلحة إلى مدافع عن السلطة، وإلى ناقل للمواقف والمعلومات داخل محيطه، بل إلى عين اجتماعية تراقب كل خروج عن المنظومة، من دون أن يحتاج الأمر إلى تعليمات مكتوبة.
ولا يعني ذلك أن كل مشارك في شركة أهلية موال أو عين للسلطة؛ فالحديث هنا عن البنية التي تصنع الحافز. فعندما يعلم الشخص أن استمرار مشروعه أو حصوله على التمويل والعقار والإعفاء مرتبط بمنظومة بعينها، يصبح الدفاع عن هذه المنظومة دفاعا عن مصلحته الشخصية والعائلية.
حزب بلا اسم تموله الدولة
عند جمع هذه العناصر، تصبح الصورة أكثر وضوحا: مجلس نواب شعب من 161 مقعدا، ومجلس وطني للجهات والأقاليم من 77 عضوا، وقاعدة من 279 مجلسا محليا تضم 2434 عضوا، و24 مجلسا جهويا وخمسة مجالس أقاليم، ثم مئات الشركات الأهلية ونحو 16 ألف مشارك، مع عشرات الملايين من الدنانير في خطوط التمويل وآلاف الهكتارات من العقارات الدولية.
هذه ليست هياكل حزبية في وصفها القانوني، لكنها تؤدي، عند النظر إليها مجتمعة، وظائف شبيهة بوظائف الحزب: استقطاب الأفراد، وتوزيع المواقع، وبناء قاعدة محلية، وتصعيد ممثلين إلى المستوى الجهوي والوطني، وربط شبكة متنامية من المصالح الاقتصادية والاجتماعية باستمرار السلطة.
وهنا تكمن الفكرة الأساسية: قيس سعيد لم يرفض إنشاء الحزب، بل رفض أن يظهر الحزب باسمه وأن يتحمل كلفته السياسية والمالية. أراده حزبا بلا اسم، وبلا مقر، وبلا بطاقة انخراط، وبلا ميزانية حزبية ظاهرة؛ حزبا مقره الدولة، ونظامه الداخلي النصوص القانونية، وتمويله من الميزانية والضمانات والإعفاءات وأملاك الدولة.
لقد تحولت صفة المستقل من ضمانة مفترضة للحياد إلى غطاء سياسي يحجب منظومة تؤدي وظائف الحزب من داخل الدولة. وبدل أن يقتات الحزب من اشتراكات منخرطيه، أصبحت الهياكل التي تقوم مقامه تقتات من الدولة باسم القانون.
وهكذا لا نكون أمام رئيس رفض الحياة الحزبية، بل أمام مشروع تجاوز الحزب التقليدي نحو صيغة أخطر: حزب داخل الدولة، تموله الدولة، وتمنحه قوانينها الشرعية والامتيازات، بينما يظل صاحبه محتميا بصورة الرئيس الذي لا حزب له.