تنقيح المرسوم 54: مراجعة لمصلحة وطنية، أم ضغط خارجي، أم بداية التخلص من نص استنفد غايته؟

هل تحول المواطن إلي فأر تجارب للسياسة التشريعية الجزائية؟؟

في الدول المستقرة تشريعيًا، لا يفترض أن يولد القانون من لحظة سياسية عابرة، ولا أن يتغير جوهره كلما تغير المزاج العام أو تبدلت الظروف. فالقانون ليس منشورًا إداريًا يُعدّل عندما تتغير الحاجة إليه، وإنما قاعدة يفترض أن تقوم على فلسفة واضحة، وغاية مشروعة، وتناسب بين الفعل والعقوبة، ورقابة تضمن انسجامها مع الدستور.

لكن تونس تعيش منذ سنوات حالة من عدم الاستقرار التشريعي. تسقط نصوص بعد أن تكون قد أنتجت آثارها، وترتفع نصوص أخرى مكانها، بينما لا تزال المحكمة الدستورية غير مفعلة، رغم أن غيابها حرم المتقاضين من جهة مختصة بمراقبة دستورية القوانين؛ وقد سجلت المحكمة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب في حكم صدر في ديسمبر 2025 أثر هذا الغياب على إمكانية إثارة الدفع بعدم الدستورية.

وفي 30 سبتمبر 2026 صدر المرسوم عدد 1 لسنة 2026 لينقح الفصل 24 من المرسوم عدد 54. الصيغة الجديدة ألغت السجن في المخالفة الأولى واستبدلته بخطية من عشرة إلى عشرين ألف دينار، بينما أبقت السجن في صورة العود لمدة ستة أشهر مع خطية قدرها خمسون ألف دينار، مع مضاعفة العقوبات إذا كان المستهدف موظفًا عموميًا أو من في حكمه، وعدم تطبيق الفصل 53 من المجلة الجزائية في حالة العود.

وهنا يبدأ السؤال: لماذا الآن؟

لا أدفع بأن التعديل كان نتيجة ضغط خارجي، لأن ذلك يحتاج إلى دليل لا توفره المعطيات المنشورة. لكن عندما تتقارب الوقائع زمنيًا يصبح السؤال مشروعًا. ففي 28 سبتمبر 2026 استقبلت وزيرة العدل ليلى جفال سفير الولايات المتحدة بتونس، وتناول اللقاء رسميًا التعاون القانوني والقضائي، وتطوير المنظومتين القضائية والسجنية وبرامج الإصلاح. وفي 29 سبتمبر تداول مجلس الوزراء مشروع تنقيح المرسوم، ثم صدر التعديل في 30 سبتمبر.

هذا التسلسل لا يثبت أن واشنطن طلبت التعديل، ولا يجوز تحويل المصادفة الزمنية إلى واقعة سياسية ثابتة. لكن المرسوم 54 كان فعلًا محل انتقادات متواصلة من نقابة الصحفيين ومنظمات حقوقية دولية بسبب استعماله في قضايا حرية التعبير والصحافة. كما أن الضغط الداخلي لم يبدأ قبل يومين من التعديل؛ فقد أحيل منذ أبريل 2025 مقترح لتنقيح المرسوم إلى لجنة التشريع العام في مجلس نواب الشعب، وكانت النقابة الوطنية للصحفيين تطالب بتسريع النظر فيه، وتنتقد تعطيل إحالته إلى الجلسة العامة. وهذا عنصر مهم يمنع اختزال التنقيح في فرضية الضغط الخارجي وحدها.

ومع ذلك يبقى السؤال السياسي قائمًا: إذا لم يكن التعديل استجابة لضغط خارجي، فما الذي تغير داخليًا حتى انتقل الفعل نفسه من عقوبة أصلية تصل إلى خمس سنوات سجن إلى مجرد خطية في المرة الأولى؟

فالجرائم الإلكترونية لم تنخفض حتى يقال إن الحاجة إلى الردع قد تراجعت. وإذا كان الفصل 24 قد وضع أصلًا لمواجهة أخبار مزورة وإشاعات كاذبة واعتداءات رقمية تضر بالغير أو بالأمن العام، فإن هذه الأفعال لم تختف. فإذا كانت العقوبة القديمة عادلة ومتناسبة، فلماذا ألغيت؟ وإذا كانت مفرطة وظالمة، فلماذا وُضعت أصلًا، ومن يتحمل مسؤولية السنوات التي طُبقت فيها؟

وهنا يظهر الإشكال الأخطر: ماذا عن الذين حوكموا قبل التعديل؟

الفصل الأول من المجلة الجزائية التونسية يقرر أن القانون الأرفق بالمتهم يطبق إذا صدر بعد الفعل وقبل الحكم البات. وهذا يعني أن القضايا التي لم تصبح أحكامها باتة عند صدور النص الجديد يمكنها، من حيث المبدأ، الاستفادة من القانون الأخف. أما الأحكام الباتة التي صدرت قبل التنقيح، فالنص لا يمنحها آليًا نفس الأثر لمجرد أن العقوبة الجديدة أخف، خاصة أن المشرع لم يلغ التجريم وإنما خفف العقوبة.

وهنا يمكن أن نجد شخصين ارتكبا الفعل نفسه، بالركن المادي نفسه والقصد نفسه والضرر نفسه، لكن الأول صدر ضده حكم بات في جانفي 2026 بخمس سنوات سجن، بينما يرتكب الثاني الفعل ذاته في جانفي 2027 فيعاقب بخطية في المرة الأولى. وإذا عاد بعد ذلك وحُكم عليه بستة أشهر، فقد يلتقي الاثنان في السجن من أجل الفعل نفسه؛ أحدهما لم يبق له إلا أشهر، بينما لا يزال الآخر أمامه أعوام.

هذه ليست مسألة عاطفية. إنها سؤال عن المساواة أمام القانون وعدالة السياسة العقابية.

فإذا كانت الدولة قد اقتنعت اليوم بأن خمس سنوات سجن عقوبة لا تتناسب مع الفعل، فما المبرر الأخلاقي والقانوني لاستمرار شخص في قضاء تلك العقوبة لمجرد أن الحكم عليه أصبح باتًا قبل يوم من تغيير السياسة العقابية؟

هنا كان يمكن للمشرع أن يفتح نقاشًا حول آلية انتقالية، أو مراجعة خاصة للعقوبات السابقة، أو عفو، أو تسوية قانونية واضحة تحفظ قوة الأحكام وفي الوقت نفسه تمنع فجوة صارخة بين أشخاص عوقبوا عن الفعل ذاته وفق فلسفتين عقابيتين متناقضتين.

ثم توجد زاوية أخرى لا يمكن تجاهلها. فمنظمات وطنية ودولية وثقت استعمال المرسوم 54 ضد صحفيين ومحامين ونشطاء ومعارضين. وقد وثقت هيومن رايتس ووتش، إلى حدود يناير 2025، ما لا يقل عن 28 شخصًا جرى توقيفهم أو محاكمتهم أو التحقيق معهم بموجب المرسوم، بينما تحدثت نقابة الصحفيين لاحقًا عن استمرار الملاحقات والأحكام السجنية وطالبت بوقف العمل به في قضايا الصحافة.

ومن هنا سيقول منتقد سياسي للسلطة: هل استنفد النص الغاية التي استُعمل من أجلها، فجاء وقت تخفيفه بعد أن صدرت أحكام واستقرت ملفات بعينها؟

هذه فرضية سياسية، وليست حقيقة يمكن إثباتها بمجرد التزامن. لكنها تصبح أقوى كلما غابت عن الدولة إجابة رسمية واضحة عن سؤال بسيط: ما الدراسة التي استند إليها التعديل؟ وما الذي أثبت بعد أربع سنوات أن خمس سنوات سجن كانت أكثر مما يلزم؟

وفي المقابل، يمكن الدفاع عن تفسير آخر أقل سوءًا: أن الدولة راجعت تجربتها بعد أربع سنوات، وقيّمت الآثار الاجتماعية والسياسية للمرسوم، ووجدت أن الحفاظ على التجريم مع تخفيف العقوبة يحقق المصلحة العامة بصورة أفضل ويقلل الاحتقان.

لكن حتى هذا التفسير يفتح سؤالًا مؤلمًا: هل يجوز أن يتحول المواطن إلى حقل تجارب للسياسة التشريعية؟

فالتجريب مقبول في الإدارة والاقتصاد عندما تكون كلفته قابلة للإصلاح. أما في القانون الجزائي فكل خطأ يعني حرية إنسان، وأسرة، وسنوات عمر لا يمكن إعادتها بعد أن تثبت الدولة لاحقًا أن فلسفة العقاب كانت تحتاج إلى مراجعة.

ويزداد السؤال أهمية لأن التنقيح لم يصدر في صورة قانون ناقشه البرلمان وصوت عليه، بل في صورة مرسوم بعد مداولة مجلس الوزراء وإعلام لجنة التشريع العام، في وقت كانت توجد فيه أصلًا مبادرة نيابية لتنقيح المرسوم لم تصل إلى الجلسة العامة.

فهل بادر رئيس الجمهورية إلى تعديل الفصل قبل أن تتحول المعارضة داخل البرلمان إلى مسار يؤدي إلى تغيير أوسع أو نسف النص برمته؟ أم أن السلطة التنفيذية اقتنعت وحدها بضرورة التعديل؟ أم أن الأمر لا يعدو مراجعة جزئية مستقلة عن المسار النيابي؟

هذه أسئلة، لا أجوبة جاهزة.

والسؤال الأخير ربما هو الأهم: هل نحن أمام تعديل سيستقر سنوات، أم أمام موجة أولى من التفكيك التدريجي للمرسوم 54؟

فالتعديل لم يلغ المرسوم، ولم يمس إلا الفصل 24، وأبقى التجريم نفسه تقريبًا مع تغيير جوهري في سلم العقوبات. لذلك لا يمكن القول قانونيًا إن المرسوم 54 انتهى. لكن يمكن القول إن فلسفة أحد أكثر فصوله إثارة للجدل قد تغيرت جذريًا.

وفي دولة القانون، لا يكفي أن تقول السلطة إنها أصلحت النص.

عليها أن تجيب أيضًا: لماذا وضعته بتلك الصيغة أصلًا؟ لماذا عُدّل الآن؟ ما مصير من تحملوا آثاره السابقة؟ وهل التعديل نتيجة مراجعة وطنية مدروسة، أم ضغط سياسي داخلي، أم أثرًا لضغط خارجي، أم مجرد محاولة لإنقاذ نص أصبح الدفاع عنه أصعب من تعديله؟

هذه الأسئلة لا تتهم أحدًا.

لكن الدولة التي تطلب من مواطنيها احترام القانون، مطالبة هي أيضًا بأن تشرح لهم منطق القانون حين تضعه، ومنطقها حين تتراجع عنه.

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات