الثلاثي الراعي للحوار كان قاعد "باس الحيط" .

رسائل سياسية ساذجة.

عندما اكتفى اتحاد الشغل وهيئة المحامين كأكبر تنظيمين مدنيين في التعبئة بدعوة رابطة حقوق الإنسان الى التنسيقية التشاورية كان الأمر مفهوما .

حين تعلق الأمر بدعوة الرابطة على ضعفها الحالي وسوء أدائها الحقوقي في السنوات الأخيرة فهمنا الأمر على انه دعوة لمنظمة كانت تاريخيا طرفا في الرباعي الراعي للحوار وتبقى لها قيمتها الرمزية رغم ما أصابها من اهتراء وضعف وعجز عن التعبئة في السنوات الأخيرة بعد أن تولى أمرها شباب الحلقات اليسراوية الذين ما مروا بمنظمة إلا و"هنتلوها" بصراعاتهم الأيديولوجية الطفولية.

كان الاكتفاء بالثلاثي سيكون مقبولا وكان القول بعدم دعوة الأحزاب مفهوما مادامت كل الأطياف العلمانية والإسلامية ممثلة في المنظمتين الكبريين( الاتحاد والمحامين ) ومادام طيف " الضد نهضاوي" سيكون حاضرا بحده الأدنى عبر الرابطة دون أن يكون لها من الأمر شيء.

قلنا ضمنيا : بذلك يضمن الاتحاد والمحامون(بعد تجددهما انتخابيا ) الإجماع السياسي الحزبي حول ما تنويه التنسيقية دون إحراج مع الدولة والرعاة في تصدير "مشهد حزبي" منقسم ومازال محل ترتيب بعد ان اهتزت سمعته في عشرية السيلان .

فهمنا أيضا أن الأمر هو رغبة لبداية تحريك المشهد التونسي عبر مداخله " المدنية" وان كانت التيارات حاضرة من ورائه .وهذا تكتيك مقبول في الترتيب المتدرج والمرور من مرحلة التجريف الى إعادة التشكيل.

لكن الشعور بتقديرنا لسلاسة الرسالة ونعومة توجيهها وتلقينا لها ضمن هذا التفهم لم يستمر طويلا حين تم توسيع الثلاثي الى الجمعيات " المدعوة" لتذهب بالتنسيقية الى استعادة "خشنة" لرسالة " عريانة" تريد الإيحاء بإعلان المسافة مع " النهضة وحلفائها " والحرص على إظهار " الطابع الأيديولوجي اليساري " ( اقرأه الحداثي العلماني ) للتنسيقية والتبرؤ من كل اثر " للخوانجية " فيما سيتم إقراره من فعاليات ومبادرات .

حكم هذا " الجمباز السياسي المكرور " عقل سياسي يحكم باستمرار ما يسمى بالعائلة " الديمقراطية " ( اقرأها الضد إسلامية ) ويقوم هذا العقل على الأوهام التالية :

أولا: توهم أن "الدولة / السلطة / السيستام" الذي تحاول هذه الأطياف الضغط عليه(ها) للمفاوضة والشراكة لا يرتاح الى وجود الإسلاميين وحلفائهم وسيكون من البراغماتية بالنسبة للبعض الخضوع للطلبات الاستراتيجية " لليساريين " بعدم الشراكة مع التيار المحافظ و"الثوري" وحلفائه.

ثانيا : توهم أن المشهد " الدولي" الذي يحاول المنتظم المدني أن يقدم نفسه له بديلا ممكنا أو طرفا شريكا فيما يفكر فيه من ترتيبات للبلاد يطلب إقصاء" الإسلاميين" ولابد من إغرائه بإظهار السمت المدني المعلمن لهذا المنتظم .

ثالثا : يقدر هذا العقل السياسي المتحكم في المنتظم المدني وحلفائه " المعلمنين " أن الساحة مفتوحة اليوم لبداية استعراض القوى على الأرض وسيكون من الجيد أن تظهر قوة هذا المنتظم بشريا من عندياته دون أن تخالطها شكوك إسهام الإسلاميين فيها وفي كل الحالات فوضعية القمع التي يعيشها الطرف الإسلامي وحلفاؤه ستجعلهم بالضرورة مساهمين في حراك المنتظم المدني دون ان ينسب خراجه الى الشارع النهضاوي وحلفائه كما أرادوه تماما في "شبكة الحقوق والحريات" ثم في مبادرة "نفس" إذ تعود الجميع على تنازلات النهضاويين وحلفائهم من اجل المصلحة الوطنية ووحدة القوى السياسية لاستعادة المسار الديمقراطي والحريات .

مما لاشك فيه أن الفرضيتين الأولى والثانية أعلاه ليستا اكثر من وهمين كما وصفتهما .الدولة وسيستامها تماما مثل القوى الدولية وملاحظيها يعلمون تماما بحقيقة " القوى الفعلية " على الأرض إضافة الى انه لاشيء يؤكد أن عقل الدولة وعقل رعاة الترتيب الإقليمي يطلب فعلا إقصاء القوى الحقيقية أو " التطهر" منها فالمشاهد السياسية المستقرة والعقلانية اذا أرادت الدولة ورعاتها أن تعيد تشكيلها فستشكلها بالقوى الفعلية لا بالقوى الافتراضية التي اختبرت طويلا في كل المواعيد الانتخابية وبان حجمها باعتبارها قوى وظيفية لا أساسية في استقرار المشاهد وديمومتها .

اذن ، لم تفعل التنسيقية الثلاثية سوى استعادة مجانية بلاجدوى سياسية لأليات تفكير سياسي تقليدي قوامه المراهنة على جاذبية الاستقطاب (للدولة والقوى الدولية ) وهو التفكير الذي أودى بعشرية الانتقال الى منتهياتها العبثية واستعادة التسلط .

ولم تفعل التنسيقية سوى تفويت الفرصة مرة أخرى لتظهر للتونسيين والمتابعين والمعنيين بالشأن السياسي وللشارع السياسي الأهم في الإقليم والمنطقة على أنها تمثل فعلا قوى مدنية قد نضجت فعلا لدفع الجميع الى بناء المشترك الوطني بالاستفادة من كل الطاقات .

انصار الشارع الديمقراطي الأصيل ، من النهضاويين وحلفائهم من اليسار الديمقراطي والليبيراليين والمستقلين الذين تمثلهم القيادات السجينة حاليا (من قادة الأحزاب المكونة لجبهة الخلاص ومواطنون ضد الانقلاب سابقا) ، لن يلومهم احد بعد اليوم حين يوجهون للمنظمة الأكبر وهيئة المحامين سهام النقد والاتهام بالإقصاء وتقريعهما على هذا الخضوع للابتزاز اليسراوي الذي لن يضيف للمنظمتين شيئا الا التفويت عليهما كمنظمة عمالية وهيئة محامين شرف تمثيل كل القوى الحية للشعب التونسي من الطامحين الى استعادة الديمقراطية والحرية والتنمية السياسية والاقتصادية .

يحتاج من يريد إعلان نفسه طرفا في معادلات التأثير السياسي أن يفهم بأن سياسة تحييد المشهد السابق لم تكن موجهة أساسا ضد التيار المحافظ الديمقراطي بل شملت كل المشهد وبالخصوص رموز التعفين الطفولي فيه وقد كان هذا التحييد يتم بشكل مضبوط ومراقب هندسيا حيث لا يبلغ درجة الاستئصال التقليدي العنيف ولكنه ينهي كل أشكال السيلان الديمقراطي في العشرية فضلا عن كونه يمتد باطراد وبشكل ممنهج ومتدرج لكل عناصر الصخب السياسي في العشرية لرد الجميع (نقول جيدا الجميع ) الى نفس خط الانطلاق واللاحراك في انتظار استعادة مفترضة لتوزيع القوى بحسب الأوزان الحقيقية (نقول الحقيقية ) في "ديمقراطية " محسوبة ومراقبة .

الاتحاد العام التونسي للشغل كأحد اهم حواضن الصخب السياسوي المعطل للانتقال في عشرية السيلان الديمقراطي تم تركه لتاكله الداخلي وهو الذي خرجت بمقتضاه المكونات اليسراوية لتصل المنظمة وعقلها العميق الى ما يجب أن تصل اليه وهو الاكتفاء بمربعها الاجتماعي وتمثيل الجميع بعيدا عن التمييز الأيديولوجي البائس وهو ما يجب ان تظهره الان حين " يأذن لها " الوقت وصانعوه " باستعادة "التعبئة" لتعديل المشهد العام .

وفي السياق نفسه يجب أن تفكر رابطة حقوق إنسان عصف بإرثها الأصيل نفس الحمق الأيديولوجي الذي خرب النقابة.

هيئة المحامين التي تتعافى بالكاد من دورتي تيه سابقتين تحول فيهما سواد العباءة النضالي والوقور والصارم الى رمادية غائمة بموالاة مخجلة، تحتاج بدورها ان تفهم الدرس من موازين القوة وتنوعها والتي أظهرتها الانتخابات الأخيرة في هذا القطاع الشريف .

ليس المطلوب اذن من منظمات تريد تمثيل الحراك النخبوي والوطني من اجل الديمقراطية والتنمية أن تظهر بلبوس استئصال وإقصاء فلا يطلب هذا احد في الدولة ولا محيطها الداخلي والخارجي لو كانت هذه المنظمات تفهم ما يجري .

الكسور الحزبية الواقفة على الهوامش منذ عقود والتي "ضاعت في الطريق " بعد حدث25 جويلية( المعقد ومتعدد المكونات والمتطور في مساراته ) يجب أن تخرج بدورها من دائرة " التقمير على النهضة ومن حالفها " فهذا عقل سياسي مفوت لا يفهم ما تطلبه الدولة ولا ما تريده السياقات الدولية .

كما أن عليها أن تفهم أن الجميع فاهم أن صناعة القوة لم يعد يمر عبر باب الركوب على أو في " الاتحاد" بل عبر القبول بالتوافق الوطني الكبير على قيم المشترك والقبول بالآخر وتلك علامة الديمقراطية والحداثة الحقيقيين .

المطلوب السياسي اليوم ممن يريد أن يكون فعالا في المشهد المستقبلي أن يتملك عقلا مركبا يقرأ جميع مكونات الوضع داخليا وخارجيا ومرحليا .

المطلوب قراءة تحولات العالم والمنطقة بعيدا عن الانشغال بهواجس الكسور والأرقام المهملة في المعادلات الكبيرة وبعيدا عن أشكال التحايل الصغير واستعادة الاستقطابات المفوتة أو دعاوى الوحدة الاستعراضية وابتزاز المنافسين.

هناك مشاهد سياسية يرتبها صراع الأقوياء في العالم تكون داخلها ومن ضمن حساباتها اذا كنت طرفا أساسيا تمتلك عقلا سياسيا يخرجك من شرنقاتك القديمة ويكسبك عمقا شعبيا وثقافيا بمراجعات هيكلية وفكرية تدير عبرها علاقاتك الجديدة مع الدولة وسكانها وشعبها وقواه المتنوعة ومع العالم وفاعليه الذين يفهمون كل شيء بعيدا عن أوهامك وهواجسك الصغيرة .

تونس سلطة / دولة وناسا ونخبا وقوى سياسية حقيقية ووازنة ومنظمات ،ممثلة فعلا لمكوناتها، سيكون وضعها المستقبلي بيد أبنائها اذا تمكن هؤلاء من صياغة مشتركة غير إقصائية لمفردات الخروج من المأزق ولكن الحل سيكون بيد "عمرو" اذا استمر العناد من جهة الحكم والإغراق في الهوامش والاستقطابات البائسة من جهة القوى السياسية الحقيقية والمنظمات الوطنية .

Commentaires - تعليقات
Pas de commentaires - لا توجد تعليقات